وادفعوا بالّتي هي أحسن ، واجتزوا بالظّواهر الحسنة .
وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين والهذليّون :
( لا تحسّسوا ) بالحاء غير منقوطة .
وقال بعض النّاس : التّجسّس بالجيم : في الشّرّ ، والتّحسّس بالحاء : في الخير ، وهكذا ورد القرآن ، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال .
وقال أبو عمرو ابن العلاء : التّجسّس : ما كان من وراء وراء ، والتّحسّس بالحاء : الدّخول والاستعلام ؛ وصحّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « ولا تجسّسوا ولا تحسّسوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد اللّه إخوانا » . ( 5 : 151 )
الفخر الرّازيّ : قال تعالى :
وَلا تَجَسَّسُوا
إتماما لما سبق لأنّه تعالى لمّا قال :
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ
فهم منه أنّ المعتبر اليقين ، فيقول القائل : أنا أكشف فلانا ، يعني أعلمه يقينا وأطّلع على عيبه مشاهدة ، فأعيب فأكون قد اجتنبت الظّنّ ، فقال تعالى : ولا تتّبعوا الظّنّ ، ولا تجتهدوا في طلب اليقين في معايب النّاس .
( 28 : 134 )
القرطبيّ : قرأ أبو رجاء والحسن باختلاف ، وغيرهما ( ولا تحسّسوا ) بالحاء .
واختلف هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين ، فقال الأخفش : ليس تبعد إحداهما من الأخرى ، لأنّ التّجسّس : البحث عمّا يكتم عنك ، والتّحسّس بالحاء :
طلب الأخبار والبحث عنها . وقيل : إنّ التّجسّس بالجيم :
هو البحث ، ومنه قيل : رجل جاسوس ، إذا كان يبحث عن الأمور ، وبالحاء : هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسّه .
وقول ثان في الفرق : أنّه بالحاء : تطلّبه لنفسه ، وبالجيم : أن يكون رسولا لغيره ، قاله ثعلب ؛ والأوّل أعرف . جسست الأخبار وتجسّستها ، أي تفحّصت عنها ، ومنه الجاسوس .
ومعنى الآية : خذوا ما ظهر ولا تتبّعوا عورات المسلمين ، أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ، حتّى يطّلع عليه بعد أن ستره اللّه . [ ثمّ أتى بروايات في حرمة التّجسّس ] ( 16 : 332 )
نحوه ابن كثير ( 6 : 380 ) ، والآلوسيّ ( 26 : 157 ) .
البيضاويّ : ولا تبحثوا عن عورات المسلمين « تفعّل » من الجسّ ، باعتبار ما فيه من معنى الطّلب كالتّلمّس . وقرئ بالحاء من الحسّ الّذي هو أثر الجسّ وغايته ، ولذلك قيل للحواسّ : الجواسّ . ( 2 : 410 )
نحوه المشهديّ . ( 9 : 607 )
الخازن : أي لا تبحثوا عن عيوب النّاس . نهى اللّه البحث عن المستور من أمور النّاس وتتبّع عوراتهم ، حتّى لا يظهر على ما ستره . [ ثمّ ذكر روايات وبعض الأقوال المتقدّمة ] ( 6 : 189 )
نحوه الشّربينيّ . ( 4 : 70 )
البروسويّ :
وَلا تَجَسَّسُوا
أصله : « لا تتجسّسوا » حذف منه إحدى التّاءين ، أي ولا تبحثوا عن عورات المسلمين وعيوبهم « تفعّل » من الجسّ ، لما فيه من معنى الطّلب . فإنّ جسّ الخبر : طلبه والتّفحّص عنه . فإذا نقل إلى باب « التّفعّل » يحدث معنى التّكلّف منضمّا إلى ما فيه من معنى الطّلب ، يقال : جسست الأخبار ، أي تفحّصت عنها . وإذا قيل : تجسّستها ، يراد معنى التّكليف كالتّلمّس ، فإنّه « تفعّل » من اللّمس ، وهو المسّ باليد