والاحتمال الثّاني : أن يكونا كلامين ، والتّقدير : أنّ نوحا عليه السّلام أمرهم بالرّكوب ، ثمّ أخبرهم بأنّ
مَجْراها وَمُرْساها
ليس إلّا ( بسم اللّه ) وأمره وقدرته .
فالمعنى الأوّل يشير إلى أنّ الإنسان لا ينبغي أن يشرع في أمر من الأمور إلّا ويكون في وقت الشّروع فيه ذاكرا لاسم اللّه تعالى بالأذكار المقدّسة ، حتّى يكون ببركة ذلك الذّكر سببا لتمام ذلك المقصود .
والمعنى الثّاني يدلّ على أنّه لمّا ركب السّفينة أخبر القوم بأنّ السّفينة ليست سببا لحصول النّجاة ، بل الواجب ربط الهمّة وتعليق القلب بفضل اللّه تعالى ، وأخبرهم أنّه تعالى هو المجري والمرسي للسّفينة ، فإيّاكم أن تعوّلوا على السّفينة ، بل يجب أن يكون تعويلكم على فضل اللّه ، فإنّه هو المجري والمرسي لها .
فعلى التّقدير الأوّل : كان نوح عليه السّلام وقت ركوب السّفينة في مقام الذّكر ، وعلى التّقدير الثّاني : كان في مقام الفكر والبراءة عن الحول والقوّة ، وقطع النّظر عن الأسباب ، واستغراق القلب في نور جلال مسبّب الأسباب .
واعلم أنّ الإنسان إذا تفكّر في طلب معرفة اللّه تعالى بالدّليل والحجّة ، فكأنّه جلس في سفينة التّفكّر والتّدبّر ، وأمواج الظّلمات والضّلالات قد علت تلك الجبال وارتفعت إلى مصاعد القلال ، فإذا ابتدأت سفينة الفكرة والرّويّة بالحركة وجب أن يكون هناك اعتماده على اللّه تعالى وتضرّعه إلى اللّه تعالى ، وأن يكون بلسان القلب ونظر العقل يقول :
بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
حتّى تصل سفينة فكره إلى ساحل النّجاة ، وتتخلّص عن أمواج الضّلالات . ( 17 : 229 )
نحوه ملخّصا النّيسابوريّ . ( 12 : 27 )
القرطبيّ : قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة بضمّ الميم فيهما إلّا من شذّ ، على معنى بسم اللّه إجراؤها وإرساؤها ، ( فمجراها ومرساها ) في موضع رفع بالابتداء ، ويجوز أن تكون في موضع نصب ، ويكون التّقدير : بسم اللّه وقت إجرائها ثمّ حذف وقت ، وأقيم ( مجريها ) مقامه . [ ثمّ ذكر القراءات ] ( 9 : 36 )
أبو حيّان :
مَجْراها وَمُرْساها
منصوبان إمّا على أنّهما ظرفا زمان أو مكان ، لأنّهما يجيئان لذلك ، أو ظرفا زمان على جهة الحذف كما حذف من : جئتك مقدم الحاجّ ، أي وقت قدوم الحاجّ ، فيكون
مَجْراها وَمُرْساها
مصدران في الأصل حذف منهما المضاف ، وانتصبا بما في « بسم اللّه ) من معنى الفعل .
ويجوز أن يكون ( بسم اللّه ) حالا من ضمير ( فيها ) و
مَجْراها وَمُرْساها
مصدران مرفوعان على الفاعليّة ، أي اركبوا فيها ملتبسا باسم اللّه إجراؤها وإرساؤها ، أي ببركة اسم اللّه ، أو يكون
مَجْراها وَمُرْساها
مرفوعين على الابتداء و ( بسم اللّه ) الخبر ، والجملة حال من الضّمير في ( فيها ) . وعلى هذه التّوجيهات الثّلاثة فالكلام جملة واحدة والحال مقدّرة ، ولا يجوز مع رفع
مَجْراها وَمُرْساها
على الفاعليّة أو الابتداء أن يكون حالا من ضمير ( اركبوا ) لأنّه لا عائد عليه فيما وقع حالا .
ويجوز أن يكون
بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
جملة ثانية من مبتدإ وخبر لا تعلّق لها بالجملة الأولى من حيث الإعراب ، أمرهم أوّلا بالرّكوب ، ثمّ أخبر أنّ
مَجْراها