أبو عبيدة : أي الصّوائد ، ويقال : فلان جارحة أهله ، أي كاسبهم ، وفي آية أخرى ( ومن يجترح ) « 1 » أي يكتسب ، ويقال : امرأة أرملة لا جارح لها ، أي لا كاسب لها ، وفي آية أخرى
اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
الجاثية : 21 ، كسبوا ( ما جرحتم ) الأنعام : 60 ، أي ما كسبتم .
( 1 : 154 )
الطّبريّ : يعني بذلك جلّ ثناؤه : يسألك يا محمّد أصحابك ما الّذي أحلّ لهم أكله من المطاعم والمآكل ؟
فقل لهم : أحلّ لكم منها الطّيّبات ، وهي الحلال الّذي أذن لكم ربّكم في أكله من الذّبائح ، وأحلّ لكم أيضا مع ذلك صيد ما علّمتم من الجوارح ، وهنّ الكواسب من سباع البهائم والطّير .
سمّيت جوارح لجرحها لأربابها ، وكسبها إيّاهم أقواتهم من الصّيد ، يقال منه : جرح فلان لأهله خيرا ، إذا أكسبهم خيرا ، وفلان جارحة أهله ، يعني بذلك كاسبهم ، ولا جارحة لفلانة ، إذا لم يكن لها كاسب . [ ثمّ استشهد بشعر ]
وترك من قوله :
وَما عَلَّمْتُمْ :
وصيد ما علّمتم من الجوارح ، اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام على ما ترك ذكره ؛ وذلك أنّ القوم فيما بلغنا كانوا سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أمرهم بقتل الكلاب عمّا يحلّ لهم اتّخاذه منها وصيده ، فأنزل اللّه عزّ ذكره فيما سألوا عنه من ذلك هذه الآية ، فاستثنى ممّا كان حرّم اتّخاذه منها وأمر بقنية كلاب الصّيد ، وكلاب الماشية ، وكلاب الحرث ، وأذن لهم باتّخاذ ذلك . [ إلى أن قال : ]
ثمّ اختلف أهل التّأويل في ( الجوارح ) الّتي عنى اللّه بقوله :
وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ
فقال بعضهم :
هو كلّ ما علّم الصّيد فتعلّمه ، من بهيمة أو طائر .
وقال آخرون : إنّما عنى اللّه جلّ ثناؤه بقوله :
وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ
الكلاب دون غيرها من السّباع . [ إلى أن قال : ]
وأولى القولين بتأويل الآية : قول من قال : كلّ ما صاد من الطّير والسّباع فمن الجوارح ، وإنّ صيد جميع ذلك حلال ، إذا صاد بعد التّعليم ، لأنّ اللّه جلّ ثناؤه عمّ بقوله :
وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ
كلّ جارحة ولم يخصّص منها شيئا ، فكلّ جارحة كانت بالصّفة الّتي وصف اللّه من كلّ طائر وسبع ، فحلال أكل صيدها .
وقد روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، بنحو ما قلنا في ذلك خبر ، مع ما في الآية من الدّلالة الّتي ذكرنا على صحّة ما قلنا في ذلك ، وهو ما حدّثنا [ وذكر السّند إلى ] عديّ بن حاتم ، قال سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن صيد البازي ، فقال :
ما أمسك عليك فكل ، فأباح صلّى اللّه عليه وسلّم صيد البازي وجعله من الجوارح . ففي ذلك دلالة بيّنة على فساد قول من قال :
عنى اللّه بقوله :
وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ
ما علّمنا من الكلاب خاصّة ، دون غيرها من سائر الجوارح .
فإن ظنّ ظانّ أنّ في قوله : ( مكلّبين ) دلالة على أنّ ( الجوارح ) الّتي ذكرت في قوله :
وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ
هي الكلاب خاصّة ، فقد ظنّ غير الصّواب ؛ وذلك أنّ معنى الآية : قل أحلّ لكم أيّها النّاس في حال مصيركم أصحاب كلاب : الطّيّبات وصيد ما علّمتموه
هامش
( 1 ) ومن يجترح : هكذا وردت في الأصول كلّها ، ولعلّه يريد الآية :وَمَنْ يَقْتَرِفْالشّورى : 23 .