4 - وفي ( 14 ) نبّه على أنّ الأمانة - وهي الدّين على الأقرب - عرضت على السّماوات والأرض والجبال ، فأبين أن يحملنها ، أي ما كنّ مستعدّة لقبولها مع صلابتها وعظمتها ، فعرضت على الإنسان . . . وهذا أثر معنويّ للجبال ، وعطفها على ( السّموات والأرض ) تحاكي عظمتها . فسياقها الثّقل والعظمة وربّما الصّلابة والرّفعة .
5 - وفي ( 15 - 17 ) نبّه على أنّ الجبال كانت يسبّحن مع داوود كالطّير ، كما كانت تسجد له تعالى في ( 13 ) .
وهو أثر معنويّ ، وسياقها العظمة بل الرّفعة من أجل عطف ( الطّير ) عليها .
6 - وفي ( 18 ) خاطب الإنسان بأن لا يتكبّر ولا يمشي في الأرض مرحا ، أي لا يفخر ، فإنّه مهما بلغ من القدرة والعظمة ، فلم يخرق الأرض ولا يبلغ الجبال طولا ، وهذا أمر معنويّ وسياقه العلوّ والعظمة .
7 - وفي ( 19 ) نبّه على أنّه ينزل من السّماء من جبال فيها - وهي سحاب تشبه الجبال - من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمّن يشاء ، وسياقها الرّفعة . وهذا أثر مادّيّ من جهة ومعنويّ من جهة أخرى ، لإشعارها بالعذاب والرّحمة ، وبالإنذار والبشارة .
8 - وفي ( 20 - 24 ) نبّه على أسرار خلق الجبال ، وأوصافها ، فإنّها في ( 20 ) اتّصف باختلاف ألوانها ( جدد بيض وحمر ) ، وفي ( 21 ) بأنّها أكنان ، وفي ( 22 ) و ( 23 ) بأنّها أوتاد للأرض وإرساء لها . وتأخير :
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
عن
وَالْجِبالَ أَرْساها
يومي بأنّ للجبال دخلا في إنماء النّباتات ، لكونها مخازن للمياه الّتي تنبع من العيون وتسيل في الأنهار ، وفي ( 24 ) بأنّ نصبها عجيب . لاحظ « ب ي ض : أبيض ، ك ن ن : أكنان ، وت د :
أوتاد ، ر س ي : إرساء » وسياقها جميعا الصّلابة والرّفعة والعظمة . لاحظ نصّ الطّنطاويّ في عجائب الجبال .
ثامنا : قد جاء في ( 11 ) آية : ( 25 - 35 ) بسّها ، ورصفها ، ودكّها ، وكثبها ونفشها ، فتكون كالعهن المنفوش . وكالسّراب ، ونحوهما ممّا يشعر بوهنها وذهابها عن صفحة الوجود .
وقد أشكل اختلافها على المفسّرين فتكلّفوا الجمع بينها بحملها على مراحل يتتابع بعضها بعضا .
وعندنا أنّها تفنّن في التّشبيه تحكي عن وهن الجبال - بما لها من صلابة - يومئذ وتلاشيها وانعدامها . ومثلها كثير من أوصاف القيامة في القرآن . [ لاحظ النّصوص هنا ، وراجع هذه الموادّ في مواضعها ]
المحور الثّاني : جبلّ وجبلّة في ( 36 ) و ( 37 ) .
يلاحظ أوّلا : أنّهما من مادّة « جبل » وهو - كما تقدّم - رمز العظمة والصّلابة من بين المخلوقات ، فأطلق على الجماعة الكثيرة تشبيها إيّاهم بالجبل ، وقد أنهاها ابن عباس إلى عشرة آلاف ، وأصل المعنى الخلق ، ومنه جبّل على كذا ، أي فطر وخلق عليه .
ثانيا : جاء في ( 36 ) ( جبلّا ) بدون تاء ، وفي ( 37 ) ( جبلّة ) بتاء ، و ( جبلّ ) عند بعضهم جمع ( جبلّة ) فهو جماعة أكثر وأكبر من ( الجبلّة ) ، فالتّوصيف فيها ب ( كثيرا ) للمبالغة والتّأكيد .
ثالثا : حذّر اللّه في ( 36 ) النّاس من الشّيطان بأنّه أضلّ جماعات كثيرة ، كانوا في العظمة والصّلابة كالجبال الرّاسخات ، ومع ذلك أزلّهم عن مواقفهم ، وأضلّهم عن