فإنّ الأنعام ولا سيّما الفرس تشبه العتّال والحمّال والسّاعي ، ثمّ الإنسان .
وأعلى مراتب الإنسان قريبة من مرتبة الملائكة المسّبحين للّه الحامدين له ، فاللّه الّذي خلق من أبعد الأشياء عن مرتبة الأحياء حيّا هو في أعلى المراتب ، لا يكون إلّا منزّها عن العجز والجهل ، ويكون له الحمد على إنعام الحياة ، ويكون له كمال القدرة ونفوذ الإرادة ، فيجوز منه الإبداء والإعادة .
وفي الآية لطيفتان :
إحداهما : قوله : ( إذا ) وهي للمفاجأة ، يقال :
خرجت فإذا أسد بالباب ، وهو إشارة إلى أنّ اللّه تعالى خلقه من تراب ب « كن » فكان ، لا أنّه صار معدنا ثمّ نباتا ثمّ حيوانا ثمّ إنسانا ، وهذا إشارة إلى مسألة حكميّة ، وهي أنّ اللّه تعالى يخلق أوّلا إنسانا ، فينبّهه أنّه يحيى حيوانا وناميّا وغير ذلك ، لا أنّه خلق أوّلا حيوانا ، ثمّ يجعله إنسانا ، فخلق الأنواع هو المراد الأوّل ، ثمّ تكوّن الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى ، فاللّه تعالى جعل المرتبة الأخيرة في الشّيء البعيد عنها غاية ، من غير انتقال من مرتبة إلى مرتبة من المراتب الّتي ذكرناها .
اللّطيفة الثّانية : قوله : ( بشر ) إشارة إلى القوّة المدركة ، لأنّ البشر بشر لا بحركته ، فإنّ غيره من الحيوانات أيضا كذلك ، وقوله :
تَنْتَشِرُونَ
إلى القوّة المحرّكة ، وكلاهما من التّراب عجيب . أمّا الإدراك فلكثافته وجموده ، وأمّا الحركة فلثقله وخموده . وقوله :
تَنْتَشِرُونَ
إشارة إلى أنّ العجيبة غير مختصّ بخلق الإنسان من التّراب ، بل خلق الحيوان المنتشر من التّراب السّاكن عجيب ، فضلا عن خلق البشر ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : وهي أنّ اللّه خلق آدم من تراب وخلقنا منه ، فكيف قال :
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ؟
نقول : الجواب عنه من وجهين :
أحدهما : ما قيل : إنّ المراد من قوله :
خَلَقَكُمْ
أنّه خلق أصلكم .
والثّاني : أن نقول : إنّ كلّ بشر مخلوق من التّراب ، أمّا آدم فظاهر ، وأمّا نحن فلأنّا خلقنا من نطفة ، والنّطفة من صالح الغذاء الّذي هو بالقوّة بعض من الأعضاء ، والغذاء إمّا من لحوم الحيوانات وألبانها وأسمانها ، وإمّا من النّبات ، والحيوان أيضا له غذاء هو النّبات ، لكنّ النّبات من التّراب ؛ فإنّ الحبّة من الحنطة ، والنّواة من الثّمرة لا تصير شجرة إلّا بالتّراب ، وينضمّ إليها أجزاء مائيّة ليصير ذلك النّبات بحيث يغذو .
المسألة الثّانية : قال تعالى في موضع آخر
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً
الفرقان : 54 ، وقال :
مِنْ ماءٍ مَهِينٍ *
السّجدة : 8 ، المرسلات : 20 ، وهاهنا قال : من ( تراب ) فكيف الجمع ؟
قلنا : أمّا على الجواب الأوّل فالسّؤال زائل ، فإنّ المراد منه آدم .
وأمّا على الثّاني : فنقول : هاهنا قال : ما هو أصل أوّل ، وفي ذلك الموضع قال : ما هو أصل ثان ، لأنّ ذلك التّراب الّذي صار غذاء يصير مائعا وهو المنيّ ، ثمّ ينعقد ويتكوّن بخلق اللّه منه إنسانا .
أو نقول : الإنسان له أصلان ظاهران : الماء والتّراب ،