اتّضح وانجلى بالأدلّة ، لا أنّ كلّ مكلّف تنبّه ، لأنّ المعلوم خلاف ذلك .
وأقول : قد ذكرنا أنّ معنى ( تبيّن ) انفصل وامتاز ، فكان المراد أنّه حصلت البينونة بين الرّشد والغيّ بسبب قوّة الدّلائل وتأكيد البراهين ، وعلى هذا كان اللّفظ مجرى على ظاهره . ( 7 : 16 )
أبو حيّان : أي استبان الإيمان من الكفر ، وهذا يبيّن أنّ الدّين هو معتقد الإسلام . ( 2 : 282 )
أبو السّعود : استئناف تعليليّ صدّر وبكلمة التّحقيق لزيادة تقرير مضمونه ، كما في قوله عزّ وجلّ :
قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً
الكهف : 76 ، أي إذ قد تبيّن بما ذكر من نعوته تعالى الّتي يمتنع توهّم اشتراك غيره في شيء منها ، الإيمان : الّذي هو الرّشد الموصل إلى السّعادة الأبديّة ، من الكفر : الّذي هو الغيّ المؤدّي إلى الشّقاوة السّرمديّة . ( 1 : 297 )
نحوه الآلوسيّ . ( 3 : 13 )
صدر المتألهين : وفيه رشحات :
الأولى : في اللّغة [ وقد تقدّمت في النّصوص اللّغويّة ]
الرّشحة الثّانية : في انتظامه بما سبق ، لمّا ذكر الدّين وأنّه لا يحصل بالإكراه شرع في شرح ماهيّته ، وقال :
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
أي وضح وانكشف ممّا ذكر سابقا من شواهد المعرفة : أنّ الدّين الحقيقيّ الّذي هو سلوك سبيل اللّه وقطع المنازل والمراحل الّتي بين العبد ومولاه المسمّى بالرّشد والهدى ، من الضّلال الحقيقيّ الّذي هو سلوك سبيل الشّيطان والهوى ، وهو المسمّى بالغواية والغيّ .
ووجه هذا التّبيّن والانكشاف : أنّ طريق الحقّ ليس إلّا واحدا ، وطرق أهل الضّلال وإن كانت مختلفة متكثّرة لا يمكن إحصاؤها ، لكن إذا عرف هذا الواحد ، وانكشف لدى العارف البصير بالبصيرة الباطنة أنّه طريق الحقّ ، يتبيّن ويتحقّق أنّ ما سواه طريق الضّلال .
فجميع طرق الضّلال يعرف بمجرّد معرفة طريق الحقّ ؛ إذ يصدق على كلّ منها أنّه غير الحقّ
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
يونس : 32 .
ولهذا ورد عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ستفرق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ، والنّاجية منها واحدة » . وهذا العدد المعيّن لما سوى الفرقة النّاجية إنّما هو بحسب الأجناس الكلّيّة ، وإلّا فهي بحسب الخصوصيّات فغير محصورة كما مرّ ، ومع هذا من عرف طريق النّجاة يعلم أنّ غيره طريق الهلاك .
الرّشحة الثّالثة : في تحقيق معنى التّبيّن في هذا المقام :
اعلم أنّ معنى
تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
تميّز الحقّ من الباطل ، والإيمان من الكفر ، بحسب الواقع ، وبما يلزم من الحجج والبيّنات الدّالّة ، والبراهين الواضحة عند من نظر وتدبّر في تلك الأدلّة والبراهين ، لا أنّ كلّ مكلّف تنبّه به ، لأنّ ذلك خلاف ما هو المعلوم من حال أكثرهم .
لأنّهم إمّا جهّال محضة وإمّا مقلّدون ، والمقلّد كالجاهل في عدم كونه عارفا بصيرا ، ويمتاز عنه في كونه معتقدا ، ودرجة المعرفة فوق الاعتقاد ، لأنّها ممّا يحصل معها الانشراح الباطنيّ ، والمشاهدة المعنويّة دون اعتقاد المقلّد ، إذ لا انشراح ولا اطمئنان معه للقلب ، وإنّما الفائدة فيه مجرّد الاتّباع للقائد العارف في صورة الأعمال