التّجارة أنّهم لا يلهون عن ربّهم في مكاسبهم دائما ، ولا في وقت من الأوقات .
خامسها : لو قيل : إنّهما مترادفان ، وقد كرّر بلفظين إيضاحا وتأكيدا ، لم يكن بعيدا ، ومثله كثير في المحاورات ، لاحظ « ت ج ر » .
رابعا : جاء وصف يوم القيامة في ( 9 ) بأنّه لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة ، واكتفى في ( 10 ) بالبيع والخلال .
وهذه الثّلاث أداة الخلاص من الجناية ، فإنّ الجاني إمّا يتشبّث بالمبادلة عليه بالبيع والشّراء ، أو يتوسّل إلى خلّة بينه وبين من يعاقبه ، أو إلى شفاعة شفيع يدفع بشفاعته الجريمة عن نفسه ، فقد سدّت جميع طرق الخلاص ، ولم يبق إلّا العذاب . قال الطّبرسيّ ( 3 : 316 ) :
« والمراد بالبيع إعطاء البدل ليتخلّص من النّار ، لا أنّ هناك مبايعة » . فالبيع هنا بمعناه العامّ ، أو هو مجاز .
خامسا : جاءت « بيع » في ( 11 ) ، وهي جمع بيعة ، أي معبد اليهود ، أو النّصارى ، أو لهما معا ، أو هي للنّصارى في القرى ، والصّوامع في الجبال والبراري ، لاحظ النّصوص .
وما يهمّنا هنا أمران :
الأوّل : أنّ اللّه ذكر معابد أهل الكتاب - أي اليهود والنّصارى - والمسلمين بمستوى واحد معظّما لها جميعا ، وهذا اعتراف منه تعالى بشرعيّتها . ونحن نعلم أنّ كنائس اليهود والنّصارى في الإسلام لا تهدم ، بل أبوابها مفتوحة لأهلها ، فهذه الآية تحكي سماحة الإسلام أمام الأديان الإلهيّة دون معابد المشركين والمجوس وسائر الملل .
الثّاني : أنّها جاءت عقيب آية الجهاد ، وهي أوّل آية في الجهاد كما قيل وهي إذن للمؤمنين أن يدافعوا عن أنفسهم وعن أهل الكتاب على السّواء . فالجهاد في الإسلام بدأ بالدّفاع الّذي كرّر في هذه الآيات :
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ . . .
الحجّ : 38 - 40 ، فهي وعد بالنّصر والدّفاع من اللّه ، وأمر للمؤمنين بالقتال دفاعا عن أنفسهم وعن أهل الكتاب ، حفاظا على معابدهم جميعا الّتي يذكر فيها اسم اللّه تعالى .