( فبايعهنّ ) فالمبايع لهنّ هو النّبيّ ، وهذه مزيّة خاصّة بالنّساء .
5 - قد اشترط على الرّجال في ( 1 ) الوفاء بما عاهدوا اللّه ، أمّا من نكث فإنّما ينكث على نفسه ، فلم يمنحهم ذلك الأجر العظيم إلّا بهذا الشّرط . ولم يشترطه للنّساء ، بل عوّض عنها بقوله :
وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ
وهذا مع شموله تعبير ليّن يناسب طبيعتهنّ ، خلافا لما وجّهه إلى الرّجال في
فَمَنْ نَكَثَ . . .
من الوعد والوعيد في سياق جازم .
ثالثا : جاءت في آيات البيع السّبع - وهو المحور الثّاني - لفظ البيع ( 7 ) مرّات ، وكلّ من لفظي ( بايعتم ) و ( تبايعتم ) مرّة واحدة ، وفيها مواقع للبحث :
1 - الظّاهر أنّ المراد بالبيع في جميع الآيات ما يشمل « البيع والشّراء » دون البيع فقط ، وهذا ما يعبّر عنه بالمعاملة « خريد وفروش » بالفارسيّة . فقد جاء في صدر الآية ( 4 ) :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى ،
والمراد به الاشتراء ، وهو كناية . الّذي اشتراه هو أنفس المؤمنين وأموالهم ، والمؤمنون هم البائعون . وجاء في ذيلها :
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ
فالاشتراء جاء بمعناه الشّائع ، والبيع جاء بمعنى المعاملة ، أي مجموع البيع والشّراء ، وكذلك الأمر في ( بايعتم ) و ( تبايعتم ) في ( 4 ) و ( 5 ) .
وكذلك في آية البيع والرّبا ، فإنّ المشركين قاسوا في ( 6 ) الرّبا بالبيع بهذا المعنى ، فقالوا :
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ،
فردّ اللّه عليهم بقوله :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ،
أي أنّ هذا قياس مع الفارق ، فكرّر كلّ من البيع والرّبا مرّتين .
وكذلك المحرّم في ( 7 ) هو المعاملة بيعا وشراء أيضا حين النّداء للصّلاة من يوم الجمعة . ووصف في ( 8 ) كذلك رجالا بأنّهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه .
ووصف في ( 9 ) و ( 10 ) يوم القيامة بأنّه لا بيع فيه ولا خلال ولا شفاعة ، وأريد بذلك كلّه المعاملة دون البيع فقط .
وفرغنا بذلك من القول بأنّ « البيع » وما اشتقّ منه لم يأت في القرآن بمعنى البيع مقابل الشّراء ، وهذا يوافق اللّغة ، فإنّه - كما مرّ في الأصول اللّغويّة - بمعنى الصّفقة ، وهي مشتركة بين البائع والمشتري ، كما هي مشتركة بين البيع والبيعة .
2 - قيل : هلّا قال : إنّما الرّبا مثل البيع ، لأنّ الكلام في الرّبا لا في البيع ، فشبّهوا الرّبا بالبيع فاستحلّوه ؟ وأجيب بوجوه :
أحدها : أنّه جاء على طريق المبالغة ، إذ بلغ من اعتقادهم في حلّيّة الرّبا أنّهم جعلوه أصلا وقانونا في الحلّ ، وجعلوا البيع فرعا منه ، وهذا من باب التّشبيه المقلوب ، وهو أعلى مراتب التّشبيه ، مثل قولهم : القمر كوجه زيد ، والبحر ككفّه . وقد ردّ اللّه كلامهم إلى أصله ، فجعل « البيع » أصلا ؛ حيث قال :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ،
فقرّر أنّ المعيار في التّحليل والتّحريم أمر اللّه تعالى ، فقد أحلّ البيع وحرّم الرّبا .
ثانيهما : أنّه لم يكن غرضهم بذلك أن يتمسّكوا بنظم القياس ، بل البيع والرّبا سيّان من جميع الوجوه ، فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحلّ والآخر بالحرمة ؟ فأيّهما قدّم أو أخّر جاز ، والوجه الأوّل عندنا أقرب إلى الصّواب .