المسألة الثّانية : مذهب الشّافعيّ رضي اللّه عنه أنّ قوله :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
من المجملات الّتي لا يجوز التّمسّك بها . وهذا هو المختار عندي ، ويدلّ عليه وجوه :
الأوّل : أنّا بيّنّا في أصول الفقه أنّ الاسم المفرد المحلّى بلام التّعريف لا يفيد العموم ألبتّة ، بل ليس فيه إلّا تعريف الماهيّة ، ومتى كان كذلك كفى العمل به في ثبوت حكمة في صورة واحدة .
والوجه الثّاني : وهو أنّا إذا سلّمنا أنّه يفيد العموم ، ولكنّا لا نشكّ أنّ إفادته العموم أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم ، مثلا قوله :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
وإن أفاد الاستغراق إلّا أنّ قوله : ( وأحلّ اللّه البياعات ) أقوى في إفادة الاستغراق ، فثبت أنّ قول :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
لا يفيد الاستغراق إلّا إفادة ضعيفة ، ثمّ تقدير العموم لا بدّ وأن يطرق إليها تخصيصات كثيرة خارجة عن الحصر والضّبط ، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام اللّه تعالى وكلام رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنّه كذب والكذب على اللّه تعالى محال . فأمّا العامّ الّذي يكون موضع التّخصيص منه قليلا جدّا ، فذلك جائز لأنّ إطلاق لفظ الاستغراق على الأغلب عرف مشهور في كلام العرب ، فثبت أنّ حمل هذا على العموم غير جائز .
الوجه الثّالث : ما روي عن عمر رضي اللّه عنه ، قال :
خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الدّنيا وما سألناه عن الرّبا ، ولو كان هذا اللّفظ مفيدا للعموم لما قال ذلك ، فعلمنا أنّ هذه الآية من المجملات .
الوجه الرّابع : أنّ قوله :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
يقتضي أن يكون كلّ بيع حلالا ، وقوله :
وَحَرَّمَ الرِّبا
يقتضي أن يكون كلّ ربا حراما ، لأنّ الرّبا هو الزّيادة ، ولا بيع إلّا ويقصد به الزّيادة ، فأوّل الآية أباح جميع البيوع ، وآخرها حرّم الجميع ، فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية ، فكانت مجملة ، فوجب الرّجوع في الحلال والحرام إلى بيان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 7 : 98 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 7 : 75 )
القرطبيّ : قوله تعالى :
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
أي إنّما الزّيادة عند حلول الأجل آخرا كمثل أصل الثّمن في أوّل العقد ؛ وذلك أنّ العرب كانت لا تعرف ربا إلّا ذلك ، فكانت إذا حلّ دينها قالت للغريم : إمّا أن تقضي وإمّا أن تربي ، أي تزيد في الدّين . فحرّم اللّه سبحانه ذلك ، وردّ عليهم قولهم بقوله الحقّ :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
وأوضح أنّ الأجل إذا حلّ ولم يكن عنده ما يؤدّي أنظر إلى الميسرة .
وهذا الرّبا هو الّذي نسخه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله يوم عرفة ، لمّا قال : « ألا إنّ كلّ ربا موضوع وإنّ أوّل ربا أضعه ربانا ربا عبّاس بن عبد المطّلب فإنّه موضوع كلّه » .
فبدأ صلّى اللّه عليه وسلّم بعمّه وأخصّ النّاس به . وهذا من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصّته فيستفيض حينئذ في النّاس .
وقوله تعالى :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
هذا من عموم القرآن ، والألف واللّام للجنس لا للعهد ؛ إذ لم يتقدّم بيع مذكور يرجع إليه ، كما قال تعالى :
وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
العصر : 1 ، ثمّ استثنى
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
العصر :