ثمّ اعلم أنّ البيع هو انتقال عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوض مقدّر على وجه التّراضي ، على ما يقتضيه الشّرع . وهو على ثلاثة أضرب : بيع عين مرئيّة ، وبيع موصوف في الذّمّة ، وبيع خيار الرّؤية .
فأمّا بيع الأعيان المرئيّة : فهو أن يبيع إنسان عبدا حاضرا أو ثوبا حاضرا أو عينا من الأعيان حاضرة فيشاهد البائع والمشتري ذلك ، فهذا بيع صحيح بلا خلاف .
وأمّا بيع الموصوف في الذّمّة : فهو أن يسلمه في شيء موصوف إلى أجل معلوم ويذكر الصّفات المقصودة ، فهذا أيضا صحيح بلا خلاف .
وأمّا بيع خيار الرّؤية : فهو بيع الأعيان الغائبة ، وهو أن يبتاع شيئا لم يره ، مثل أن يقول : « بعتك هذا الثّوب الّذي في كمّي » أو « الثّوب الّذي في الصّندوق » وما أشبه ذلك ، فيذكر جنس المبيع فيتميّز من غير جنسه ، ويذكر الصّفة . ولا فرق بين أن يكون البائع رآه والمشتري لم يره ، أو يكون المشتري رآه والبائع لم يرياه ، أو لم يره معا . فإذا عقد البيع ثمّ رأى المبيع فوجده على ما وصفه كان البيع ماضيا ، وإن وجده بخلافه كان له ردّه وفسخ العقد .
ولا بدّ من ذكر الجنس والصّفة ؛ فمتى لم يذكرهما أو واحدا منهما ، لم يصحّ البيع . ومتى شرط المشتري خيار الرّؤية لنفسه كان جائزا ، فإذا رآه بالصّفة الّتي ذكرها لم يكن له الخيار ، وإن وجده مخالفا كان له الخيار . هذا إذا لم يكن رآه ، وإن كان قد رآه ، فلا وجه لشرط الرّؤية ، لأنّه عالم به قبل الرّؤية .
وقوله تعالى :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
النّساء : 29 ، يدلّ أيضا على أكثر ما ذكرناه .
وقوله تعالى :
إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
البقرة : 282 ، يدلّ على صحّة السّلف في جميع المبيعات ، وإنّما يجوز ذلك إذا جمع شرطين : تمييز الجنس من غيره مع تحديده بالوصف ، والثّاني ذكر الأجل فيه .
فإذا اختلّ شيء منهما لم يصحّ السّلف ، وهو بيع مخصوص .
وكلّ شيء لا يتحدّد بالوصف - مثل روايا الماء والخبز واللّحم - لم يصحّ السّلف فيه ، لأنّ ذلك لا يمكن تحديده بوصف لا يختلط به سواه . وقال بعض أصحابنا .
أنّه جائز ، والأوّل أظهر .
وكلّ شرط يوافق شريعة الإسلام اعتبره المشتري فإنّه يلزم ، لقوله تعالى :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
المائدة : 1 ، ولقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « المؤمنون عند شروطهم » .
وعن فضيل : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : ما الشّرط في الحيوان ؟ قال : ثلاثة أيّام شرط ذلك في ضمن العقد أو لم لم يشرط ، ويكون الخيار للمبتاع خاصّة في هذه المدّة ما لم يحدث فيه حدثا .
قلت : فما الشّرط في غير الحيوان ؟
قال : البيّعان في الخيار ما لم يفترقا ، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرّضا منهما إلّا أن يشترطا إلى مدّة معيّنة .
وقال عليه السّلام : لا بأس بالسّلم في المتاع إذا وصفت الطّول والعرض إلى أجل معلوم ، وفي الحيوان إذا وصفت أسنانها ، وقوله تعالى :
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ
البقرة :
282 ، يختصّ بهذا النّوع من المبايعة . ( 2 : 50 )