والقول في حدّ ذاته وجيه وفي محلّه ، وإن كان هذا لا يمنع من ملاحظة كون ظهور البدع والأهواء ، وتعبير أهل السّنّة والجماعة هما متأخّران عن زمن ابن عبّاس .
( 8 : 140 )
محمّد حسين فضل اللّه : ليست القضيّة قضيّة صفة ذاتيّة عاديّة ، يراد منها تقييم الإنسان من ناحية ذاتيّة ، لأنّ طبيعة القضيّة تتّصل بالجانب العامّ الشّامل لحياة الإنسان .
أمّا ذلك الفلاح وهذا العذاب فإنّهما يبرزان بأعلى صفاتهما في مواجهة الإنسان ، للمصير في موقفه أمام اللّه ، عندما يتحدّد للإنسان مصيره من خلال انطباع أعماله على وجهه ، فهناك النّاس الّذين تبيضّ وجوههم بما عملوا من خير ، من خلال ما يمثّله من صفاء ونقاء وبياض ناصع ؛ وهناك النّاس الّذين تسودّ وجوههم بما عملوا من شرّ ، من خلال ما يمثّله من سواد وظلمة وقلق ، وذلك هو قوله تعالى :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ .
وهذا تعبير إيحائيّ عن الحالة الرّوحيّة ، الّتي تترك تأثيراتها على الصّورة البارزة للإنسان ، من خلال عناصرها الخاصّة في الذّات ، فإذا كانت الرّوح منفتحة على الجانب المشرق من النّيّات الخيّرة والأعمال الصّالحة ، فإنّ ذلك ينعكس على إشراقة الوجه نورا وإشراقا وبشرا ، لأنّ هذا الإنسان لا يشكو من عقدة تثقل روحه وتشوّه صورته .
وأمّا إذا كانت الرّوح منغلقة على الخير ، ومنفتحة على الشّرّ في الدّوافع والأعمال ، فإنّ الإنسان يبدو من خلالها شيطانا في ملامحه ، معبّرا في وجهه ، مظلما في ذاته .
وهذا ما يوحي بالحقيقة الإنسانيّة في تأثير الواقع الدّاخليّة في صورة الواقع الخارجيّ للإنسان ؛ بحيث تتمثّل ملامحه الدّخليّة في ملامحه الخارجيّة في الصّورة تارة ، وفي النّظرة العامّة لحركته تارة أخرى .
وقد عبّر اللّه عن ذلك بطريقة أخرى في صورة المؤمنين يوم القيامة في النّور الّذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ، وذلك هو قوله تعالى :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ
وبإزاء هؤلاء نرى المنافقين والمنافقات غارقين في الظّلمة يستجدون النّور من المؤمنين والمؤمنات
وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ .
وتزداد الصّورة وضوحا في مواجهة الموقف ، فيبدو لنا هؤلاء الّذين اسودّت وجوههم ، فإذا بنا نلمح في أوضاعهم وتقارير أعمالهم وطبيعة السؤال الإنكاريّ الّذي يوجّه إليهم :
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
آل عمران : 106 ، صورة النّاس الّذين ساروا في خطّ الإيمان فترة من الزّمن ، ولكنّهم وقعوا تحت تأثير الضّغوط الذّاتيّة من الشّهوات والأطماع والأضاليل ، فانحرفوا عن الخطّ ، ثمّ تحوّل انحرافهم إلى مواجهة مضادّة للخطّ نفسه ، عندما فرضت عليهم ذاتيّاتهم أن يقاوموه ليرضى عنهم أولياؤهم من الكافرين والضّالّين . . .
وفي هذا إيحاء دقيق من بعيد ، بأنّ على الإنسان أن لا يستسلم للثّقة بإيمانه في استرخاء كسول ، يؤمن معه بأنّه لا يتزعزع مهما كانت الظّروف والضّغوط ، بل ينبغي له أن يحرسه بالفكر والتّأمّل والقراءة والحوار والعمل ،