السّامع إلى كلّ مذهب . إلّا أنّه قد سبق في الآية ( 18 ) أنّ خزنتها هم المرحّبون بهم . وفيه إذن لهم ودعوة منهم بالدّخول تكريما ، مع تبشيرهم بأنّها دار سلامة وأمن لهم ، أو المراد : « قولوا : سلاما » .
ثمّ وصف حالتهم النّفسيّة - ثالثا - بأن نزع اللّه بماله من العزّة والجلال ما في قلوبهم من غلّ : ( نزعنا ) . وهذا ممّا رسب في نفوسهم من دار الدّنيا لتطييب نفوسهم عند دخول الجنّة .
ثمّ تبشيرهم - رابعا - بأنّهم بما فيهم من تقوى القلب وطيب النّفس ، سوف يكونون في الجنّة إخوانا على سرر متقابلين ، أي يستأنس بعضهم ببعض ، ويحدّث بعضهم بعضا .
وخامسا - بأنّهم لا يمسّهم نصب ممّا ابتلوا به في حياتهم الدّنيا .
وسادسا - بأنّهم فيها مخلّدون لا يخرجون منها أبدا .
وهذه الأوصاف تبيان لما مضى في ( 18 ) :
وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ .
وقد ختمت هذه الآيات بأوصاف للّه تعمّ الفريقين
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ
الحجر : 49 ، 50 ، تقديما لجزاء المتّقين على عقاب المكذّبين .
أمّا الثّلاث الّتي بعدها - ( 21 ) إلى ( 23 ) - فذات مضمون واحد وألفاظ متقاربة ؛ حيث قيل لهم :
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ، *
فركّز فيها في ثلاثة عناصر : أمرهم بدخول أبوابها ، ووعيدهم بأنّهم خالدون فيها ، وأنّها بئس مثوى المتكبّرين ، إعلاما بأنّ رذيلة الكبر ألجأتهم إلى الكفر باللّه الرّحيم ، وجرّتهم إلى عذاب الجحيم .
وهذا السّياق الواحد المتكرّر في القرآن في هذه الآيات الثّلاث ، من أشدّ وأقسى التّهديد والوعيد ، وصيغة الجمع في « الأبواب » للتّكثير والتّهويل .
أمّا الآية الأخيرة - ( 24 ) - فتمتاز من بينها باختصاصها بالمنافقين والمنافقات الّذين يتذبذبون بين الفريقين : المؤمنين والكافرين . ولنستوعب مغزى الآية ، فنمرّ على ما قبلها ، وهي تصف موقف المؤمنين والمؤمنات وهم في طريقهم إلى الجنّة ، فتقول :
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الحديد :
12 ، وتلتها هذه الآية في شأن المنافقين والمنافقات ، حيث ينظرون إلى المؤمنين والمؤمنات ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ، فيقولون لهم : انظرونا نقتبس من نوركم ، فيقال لهم : ارجعوا وراءكم ، أي إلى الدّنيا فالتمسوا نورا .
وهذا استهزاء منهم ، لأنّه لا رجوع من الآخرة إلى الدّنيا ، كما كانوا يستهزئون بالمؤمنين في الدّنيا ، ولا شكّ أنّه نور الإيمان الّذي اكتسبه المؤمنون والمؤمنات في الدّنيا ، ولم يكتسبه المنافقون والمنافقات . وبعد أن يئسوا من اقتباس النّور ليواصلوا طريقهم إلى الجنّة في ظلمات المحشر ، ضرب بين الفريقين سور له باب ، باطنه فيه الرّحمة - وهو جانب المؤمنين - وظاهره - من قبله العذاب وهو جانب المنافقين - من قبله العذاب . فلكلّ