اللّه في المحشر يكرهون فراق ذلك الموطن طمعا في رؤيته ثانيا ، ولشدّة حبّهم وشغفهم ، لا يكاد يخطر ببالهم أنّهم سيرونه سبحانه إذا دخلوا الجنّة ، فيحجمون عن المسير ، فيساقون إلى الجنّة ، والمراد ب « الرّؤية » طبعا ينبغي أن لا يستلزم التّجسيم .
ومنها : ما خطر بالبال أنّ المتّقين من فرط تواضعهم وخضوعهم يرون أنفسهم مقصّرين أمام ربّهم ، لا يليقون بدار كرامة اللّه ، فأحجموا عن المسير حياء حتّى سيقوا إليها .
ثالثها : جاء السّوق في الفريقين « زمرا » ، وبه سمّيت السّورة ؛ وذلك إشارة إلى طبقاتهم حسب أعمالهم ، ودرجاتهم حسب جزائهم ، كما قال تعالى :
فَتَأْتُونَ أَفْواجاً
النّبأ : 18 .
رابعها : جاء فيهما
حَتَّى إِذا جاؤُها ، *
ثمّ جاء في أهل النّار
فُتِحَتْ أَبْوابُها *
بلا « واو » ، فجعلت جواب « إذا » تأكيدا أنّها كانت مغلقة قبلها ، وإشارة إلى وقوفهم خلفها ذلّا وحقارة ، منتظرين فتح الأبواب . وجاء في أهل الجنّة
وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
بزيادة « واو » من دون جواب فيها ل « إذا » ، فما هو السّرّ فيها ؟
والجواب بوجوه : منها : « الواو » حاليّة ، أي جاءوها والحال أنّها كانت مفتوحة أبوابها من ذي قبل ، انتظارا لهم وكرامة . ويناسبه أنّها قرئت بالتّشديد أيضا ( وفتّحت ) تأكيدا أنّ خزنة الجنّة فتحوا أبوابها ، ووقفوا منتظرين لهم ، كما يفتح الخدم باب المنزل للضّيف قبل قدومه إكراما وانتظارا له . وعليه فتكون الآية من قبيل :
« مفتّحة لهم الأبواب » في ( 16 ) ، وحذف الجواب إيذانا بأنّ لهم من ضروب الكرامات ما لا يحيط به نطاق العبارة ، وليذهب ذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن .
ومنها : أنّها « واو الثّمانية » ، إشارة إلى أنّ أبواب الجنّة ثمانية ، كما جاءت في الأحاديث ؛ وذلك لأنّ من عادة قريش أنّهم يعدّون من الواحد ، فيقولون : خمسة ، ستّة ، سبعة ، فإذا بلغوا السّبعة قالوا : وثمانية . وفي القرآن شواهد منه ، مثل :
سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ
الحاقّة : 7 ،
وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
الكهف : 22 ونحوهما . وهذا الوجه مقبول لو كانت هذه الجملة وحدها معطوفة بالواو ، والحال أنّ ما بعدها جمل معطوفة عليها ، وهي أوّلها .
ومنها : أنّ اللّه فرّق بين الفريقين بأن جعل فتح أبواب جهنّم منتهى سير أهلها ، فجعلها جواب الشّرط .
أمّا أهل الجنّة فإنّ فتح أبواب الجنّة لهم ليس نهاية سيرهم ، بل هو أحد مراحله ، ولهم بعده مراحل لا تنتهي ، فلهذا عطفت بعضها على بعض دون ذكر غاية تكون جواب « إذا » ، بل حذف الجواب إشعارا بعظم ما لهم من الكرامات ، كما سبق في الوجه الأوّل ، واللّه أعلم بسرّ كتابه .
خامسها : أنّ لكلا الجنّة والنّار خزنة وحجبة ، لا يدخلها أحد إلّا بإذنهم ، ولهم أن يتحدّثوا مع الدّاخلين بما فيه توبيخ وإهانة ، أو سلام وشكر وكرامة . وشتّان ما بين قولهم لأهل الجنّة :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ،
وقولهم لأهل النّار :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا .
وشتّان ما بين كلمة أهل الجنّة :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ