وذلك بعد أن
غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ .
وفيها بحوث :
1 - هذه الجملة بما فيها من صيغة ( التّفعيل ) :
( غلّقت ) الدالّة على البتّ والقطع ، والجمع المحلّى بألف الاستقراء : « الأبواب » ، تحكي غاية سعيها في الاستتار ، وأن لا يطّلع على خطيئتها غيرها ، وسيّما زوجها .
2 - تحاشى يوسف عن تلبية رغبتها في ( 5 ) وقال :
مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ،
أي انتحى يوسف إلى قيم أخلاقيّة وعقائديّة ؛ إذ العزيز ربّاه وأحسن مثواه ، وما طلبته منه خيانة للعزيز وظلم له ، ولا فلاح للظّالمين ، واللّه عليم به ، ومعاذ اللّه أن يعصيه .
3 - إنّ الموقف كان عليه خطيرا ؛ حيث قال اللّه بعد ( 5 ) :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ .
4 - ولكن مع كلّ هذا التّستّر والحذر ألفيا سيّدها لدى الباب حينما استبقا الباب ، فانكشف السّرّ .
5 - إنّها بادرت من فرط كيدها إلى قولها لزوجها :
ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ،
فألقت الجرم على كاهل يوسف ، إلّا أنّ يوسف لم يسكت ، بل دافع عن نفسه ، وألقى الجرم عليها فورا ، وقال :
هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي
يوسف : 26 .
6 - وواحدة منها - أي ( 7 ) - وهي الّتي جمعت بين « الباب » و « الأبواب » ، جاءت في طلب يعقوب من بنيه حينما تجهّزوا للمسير إلى العزيز أن لا يدخلوا من باب واحد ، بل من أبواب متفرّقة ، اعترافا بأنّ هذا لا يغني عنهم من اللّه شيئا . فدخلوا من حيث أمرهم أبوهم لحاجة في نفس يعقوب دون أن يغنيهم شيئا .
قال في مجمع البيان ( 5 : 479 ) نقلا عن ابن عبّاس وغيره : « خاف عليهم العين ، لأنّهم كانوا ذوي جمال وهيئة وكمال ، وهم إخوة يوسف أولاد رجل واحد » .
وزاده الآلوسيّ ( 13 : 15 ) بيانا ، وبحث طويلا في أثر العين . وزاد الفخر الرّازيّ ( 18 : 174 ) وجهين آخرين فلاحظ .
7 - ويخطر بالبال أنّ الجمع بين الأمر والنّهي ، وبين « الباب » و « الأبواب » ، مع ما فيه من لون من التّكرار ، لا يخلو من سرّ . قال الآلوسيّ : « إنّ عدم الدّخول من باب واحد غير مستلزم للدّخول من أبواب متفرّقة ، وفي دخولهم من بابين أو ثلاثة بعض ما في الدّخول من باب واحد من نوع اجتماع مصحّح لوقوع المحذور ، وإنّما لم يكتف بهذا الأمر مع كونه مستلزما للنّهي السّابق إظهارا لكمال العناية به ، وإيذانا بأنّه المراد بالأمر المذكور لا تحقيق شيء آخر » .
وقد سبق أن ذكرنا في « أث م » و « ب ر ر » وجه الجمع بين الأمر والنّهي في قوله تعالى :
تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
المائدة : 2 .
وعلى العموم فالجمع بين الأمر بشيء والنّهي عن ضدّه من أساليب التّأكيد والتّركيز في الشّيء ، وله نظائر في القرآن ، ومن أكثرها وأبرزها آيات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر .
رابعا : تحمل الآية ( 8 ) تشريعا اجتماعيّا ، وهو أنّ المؤمنين مكلّفون بأن يأتوا البيوت من أبوابها دون ظهورها ، كما كان الجهّال والسّوقة يفعلونه .
خامسا : ترجع خمس من الآيات - ( 9 ) إلى ( 13 ) -