السَّماءَ
إلخ ، وهو احتجاج من طريق الغايات ؛ إذ لو لم يكن خلق السّماء والأرض وما بينهما - وهي أمور مخلوقة مؤجّلة توجد وتفنى - مؤدّيا إلى غاية ثابتة باقية غير مؤجّلة كان باطلا ، والباطل : بمعنى ما لا غاية له ممتنع التّحقّق في الأعيان ، على أنّه مستحيل من الحكيم ، ولا ريب في حكمته تعالى .
وربّما أطلق الباطل وأريد به اللّعب ، ولو كان المراد ذلك كانت الآية في معنى قوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
الدّخان : 38 ، 39 .
وقيل : الآية عطف على ما قبلها بحسب المعنى ، كأنّه قيل : ولا تتّبع الهوى ، لأنّه يكون سببا لضلالك ، ولأنّه تعالى لم يخلق العالم لأجل اتّباع الهوى وهو الباطل ، بل خلقه للتّوحيد ومتابعة الشّرع .
وفيه أنّ الآية التّالية :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ
إلخ ، ص :
28 ، لا تلائم هذا المعنى . ( 17 : 196 )
يبطله
فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ .
يونس : 81
الطّبريّ : يقول : سيذهب به ؛ فذهب به تعالى ذكره ، بأن سلّط عليه عصا موسى ، قد حوّلها ثعبانا يتلقّفه ، حتّى لم يبق منه شيء . ( 11 : 148 )
الزّمخشريّ : سيمحقه أو يظهر بطلانه ، بإظهار المعجزة على الشّعوذة . ( 2 : 248 )
مثله أبو حيّان ( 5 : 183 ) ، والبيضاويّ ( 1 : 455 ) .
الطّبرسيّ : أي سيبطل هذا السّحر الّذي فعلتموه .
( 3 : 126 )
الفخر الرّازيّ : أي سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه . ( 17 : 143 )
البروسويّ : أي سيمحقه بالكلّيّة بما يظهره على يديّ من المعجزة ، فلا يبقى له أثر أصلا أو سيظهر بطلانه للنّاس . والسّين للتّأكيد .
إذا جاء موسى وألقى العصا * فقد بطل السّحر والسّاحر
( 4 : 70 )
مثله الآلوسيّ . ( 11 : 167 )
رشيد رضا : أي سيظهر بطلانه للنّاس ، وأنّه صناعة خادعة ، لا آية خارقة صادعة ، فالجملة استئنافيّة لبيان ما يوقن به موسى من مآل هذا السّحر .
ويجوز أن تكون خبرا لما قبلها ، ويكون التّقدير :
ما جئتم به الّذي هو السّحر ، إنّ اللّه سيبطله بما جئت به من الحقّ . ( 11 : 468 )
الطّباطبائيّ : الحقيقة الّتي بيّنها لهم : أنّ الّذي جاءوا به سحر ، والسّحر شأنه إظهار ما ليس بحقّ واقع في صورة الحقّ الواقع لحواسّ النّاس وأنظارهم ؛ وإذ كان باطلا في نفسه فإنّ اللّه سيبطله ، لأنّ السّنّة الإلهيّة جارية على إقرار الحقّ وإحقافه في التّكوين ، وإزهاق الباطل وإبطاله ، فالدّولة للحقّ وإن كانت للباطل جولة أحيانا .
ولذا علّل قوله :
إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ
بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
فإنّ الصّلاح والفساد