المسلمين إلى دينهم .
ومن أراد التّفصيل في الرّدّ عليهم فليرجع إلى كتب أحرار أوربّة والكتب الّتي يردّ بها بعضهم على بعض ، وكلّ هذا الفساد الّذي طرأ على دين المسيح الحقّ فهو من غلوّ أهل أوربّة في الدّين ، ثمّ في الكفر والتّعطيل ، فهم غلاة مسرفون في كلّ شيء ، وصاحب هذا الخلق يتقن كلّ ما يأخذ به من خير وشرّ ، لأنّه لا يرضى منه بما دون غايته .
ومن ثمّ أتقنت رهبناتهم جمع المال ثمّ أتقنت الانتفاع به في دينها التّقليديّ ودنياها ، وأخذت رهبنات الشّرق النّظام عنها ، وما ذا فعل المسلمون في أوقافهم وخدمة دينهم ؟ ( 10 : 396 - 401 )
الطّباطبائيّ : إيضاح قوله تعالى :
وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . . .
التّوبة : 29 ، بقوله :
إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ . . .
التّوبة 34 ، فهو إيضاح بأوضح المصاديق وأهمّها تأثيرا في إفساد المجتمع الإنسانيّ الصّالح ، وإبطال غرض الدّين .
فالقرآن الكريم يعدّ لأهل الكتاب وخاصّة لليهود جرائم وآثاما كثيرة مفصّلة في سورة البقرة والنّساء والمائدة وغيرها ، لكنّ الجرائم والتّعدّيات الماليّة شأنها غير شأن غيرها ، وخاصّة في هذا المقام الّذي تعلّق الغرض بإفساد أهل الكتاب المجتمع الإنسانيّ الصّالح لو كانوا مبسوطي اليد ، واستقلالهم الحيويّ قائما على ساق ، ولا مفسد للمجتمع مثل التّعدّي المالي .
فإنّ أهمّ ما يقوم به المجتمع الإنسانيّ على أساسه هو الجهة الماليّة الّتي جعل اللّه لهم قياما ، فجلّ المآثم والمساوئ والجنايات والتّعدّيات والمظالم تنتهي بالتّحليل إمّا إلى فقر مفرط ، يدعو إلى اختلاس أموال النّاس ، بالسّرقة وقطع الطّرق وقتل النّفوس ، والبخس في الكيل والوزن والغصب ، وسائر التّعدّيات الماليّة .
وإمّا إلى غنى مفرط ، يدعو إلى الإتراف والإسراف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمسكن ، والاسترسال في الشّهوات وهتك الحرمات ، وبسط التّسلّط على أموال النّاس وأعراضهم ونفوسهم .
وتنتهي جميع المفاسد النّاشئة من الطّريقين كليهما بالتّحليل إلى ما يعرض من الاختلال على النّظام الحاكم في حيازة الأموال واقتناء الثّروة ، والأحكام المشرّعة لتعديل الجهات المملّكة المميّزة لأكل المال بالحقّ من أكله بالباطل .
فإذا اختلّ ذلك وأذعنت النّفوس بإمكان القبض على ما تحتها من المال ، وتتوّق إليه من الثّروة بأيّ طريق ممكن ، لقّن ذلك إيّاها أن يظفر بالمال ويقبض على الثّروة بأيّ طريق ممكن حقّ أو باطل ، وأن يسعى إلى كلّ مشتهى من مشتهيات النّفس مشروع أو غير مشروع أدّى إلى ما أدّى .
وعند ذلك تقوم البلوى بفشوّ الفساد وشيوع الانحطاط الأخلاقيّ في المجتمع ، وانقلاب المحيط الإنسانيّ إلى محيط حيوانيّ رديء لا همّ فيه إلّا البطن وما دونه ، ولا يملك فيه إرادة أحد بسياسة أو تربية ، ولا تفقّه فيه لحكمة ، ولا إصغاء إلى موعظة .
ولعلّ هذا هو السّبب الموجب لاختصاص أكل المال