ما يملكه ، والأوّل هو الأقرب إلى الصّواب .
ج - استبصر : آية واحدة :
وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ
العنكبوت : 38 .
يلاحظ أوّلا : أنّ الاستبصار في أصل اللّغة فيه معنى الطّلب دون الإبصار ، فاستبصر ، أي طلب البصيرة ، أو اتّضح له الأمر حتّى صار ذا بصيرة . وهذا هو الفارق بين البصير والمستبصر ، والأوّل يطلق على اللّه دون الثّاني .
وعند الخليل استبصر في أمر دينه ، إذا كان ذا بصيرة ، فالمستبصر : طالب البصيرة ، كالمستفهم والمستخبر . أو هو ذو البصيرة ، قال الرّاغب : يصحّ أن يستعار الاستبصار للإبصار ، نحو استعارة الاستجابة للإجابة ، لاحظ النّصوص اللّغويّة .
وقد تجلّى المعنيان في تفسير الآية ، فالمفسّرون بين من فسّره بالطّالبين للبصيرة ، وذوي البصيرة .
ثانيا : هناك خلاف آخر بينهم في أنّ المراد بالآية : أنّ هؤلاء الكفّار كانوا مستبصرين في دينهم ، معجبين به ومصرّين عليه ، أو أنّهم كانوا عقلاء ، متمكّنين من تمييز الحقّ عن الباطل ، إلّا أنّهم لم يستثمروا هذه الهبة الإلهيّة ، فضلّوا وأضلّوا . وعلى الثّاني فالآية تقيم الحجّة عليهم :
حيث ضلّوا عن الطّريق مع قيام الحجّة عندهم ، فتكون مثل :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
النّمل : 14 ، ومثله كثير في القرآن ، ومنها اقتبس صاحب المثنويّ قوله :
چشم باز وگوش باز واين عمى * حيرتم از چشم بندى خدا « 1 »
ونحن نختار هذا الوجه ، فإنّه ألصق بالسّياق وبكرامة القرآن ، وفاقا للطّوسيّ - وهو أوّل من فسّر الآية بذلك - وتبعه كبار المفسّرين ، وإلّا فلا وجه للعدول عن البصير إلى المستبصر . وعليه فجملة
وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ
حاليّة ، كفيلة ببيان حالهم حين العدول عن سبيل الحقّ إلى طريق الضّلالة .
ثالثا : حمل الطّباطبائيّ « استبصارهم » على ما كانوا عليه من الفطرة قبل بعثة نوح عليه السّلام ، حسب ما فسّر هو
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ
البقرة :
213 ، لاحظ ( أم م ) .
ونحن لا نوافقه على قوله ، لأنّ ظاهر الآية أنّهم كانوا مستبصرين حال ضلالتهم ، لا قبل بعثة نوح .
رابعا : وهنا يطرح هذا السّؤال : ما هو الوجه في مجيء الكلمة من بابي الاستفعال والتّفعيل : ( مستبصرين ) و ( يبصّرونهم ) مرّة واحدة في القرآن مع كثرتها فيه من بابي المجرّد والإفعال ؟ فهل مردّ ذلك إلى قلّة استعمالها لهما عند العرب عامّة وفي مكّة خاصّة ؟ والعنكبوت والمعارج مكّيّتان ، أوله سرّ آخر ! ربّما يكشف يوما مّا .
3 - بصير : جاء ( 42 ) مرّة وصفا للّه ، و ( 9 ) مرّات وصفا للنّاس :
أ - وصف اللّه : بصير بما تعملون أو يعملون :
1 -
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
البقرة : 96
هامش
( 1 ) بصر سميع بيد هذا العمى تحيرت كيف جعل اللّه الغشاوة على الابصار .