تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 734

مساهمون:

ص٧٣٤
ضمير مستتر راجع إلى « ما » مع ضمير المفعول . وخالفهم الكوفيّون واحتجّوا عليهم بعشر حجج ، ذكرها الإمام الفخر الرّازيّ ( 5 : 32 ) عند قوله تعالى :
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
البقرة : 175 ، فلاحظ . والكلام هنا في « أفعل به » من ( ب ص ر ) و ( س م ع ) ، فالمشهور عند البصريّين أنّه فعل ماض على سورة الأمر ، والمجرور بالباء الزّائدة هو فاعله ، وأصله في : أحسن بزيد ! أحسن زيد ، أي صار ذا حسن ، ثمّ أرادوا أن يدلّوا به على إنشاء التّعجّب ، فحوّلوا الفعل إلى صورة الأمر ، ليكون بصورة الإنشاء ، ثمّ أرادوا أن يسندوه إلى زيد ، فاستقبحوا إسناد صورة الأمر إلى الاسم الظّاهر ، فزادوا الباء ، ليكون على صورة الفضلة ، نحو : « امرر بزيد » . كذا في هامش شرح ابن عقيل ، تصحيح محمّد محيي الدّين عبد الحميد ( 2 : 148 ) . وأمّا الكلام في الآيتين فقد جمع اللّه فيهما بين السّمع والبصر ، كغيرهما من الآيات السّابقة مع تفاوت ، وهو تقديم البصر على السّمع في ( 24 ) ، وتأخيره عنه في ( 25 ) ، وهذا نصّ الآيتين : 1 -
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً
الكهف : 26 2 -
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
مريم : 37 ، 38 فما سرّ هذا التّقديم والتّأخير ؟ لم نطّلع على كلام من المفسّرين في ذلك ، والّذي يخطر بالبال أنّ الآية الأولى جاءت تلو الاختلاف في شأن أصحاب الكهف « كم لبثوا في كهفهم » ؟ فقال تعالى :
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ .
فعدد السّنين هو محطّ البصر والسّمع ، إلّا أنّه إلى البصر أقرب من السّمع ؛ فقدّم عليه ، والمراد بهما العلم الكامل ، كما قال :
لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .
وأمّا الآية الثّانية فجاءت في اختلاف الأحزاب بينهم في شأن عيسى عليه السّلام ، ولم يستمعوا إلى القول الحقّ الّذي فيه يمترون ، فأنذرهم اللّه بمشهد يوم عظيم ، وهو يوم القيامة ، وأعلن أنّهم يومئذ يسمعون ويبصرون كلّ شيء جيّدا ، وإن أبوا السّمع والبصر في الدّنيا ، فقد قدّم « اسمع بهم » ردّا على إبائهم استماع الحقّ في الدّنيا . وضمّ إليه ( أبهر ) لأنّ الجملتين معا تعبير شائع عن المعرفة التّامّة . رابعا : المبصر اسم فاعل من « أبصر » ، ومعناه الرّائي عينا أو قلبا ، وبهذا المعنى جاء في ( 26 ) :
تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ،
لكنّه جاء في القسم الأخير بمعنى الأمر الجليّ حسّا وصفا للنّهار في ( 27 ) إلى ( 30 ) ، ووصفا للآيات وللنّاقة بمعنى الجليّ معنى في ( 31 ) و ( 32 ) . والسّرّ فيه - كما جاء في النّصوص - أنّه مجاز ، إمّا بوضع المفعول موضع الفاعل ، لأنّ النّهار لا يبصر ولكنّه يبصر فيه ، فهو من قبيل
عِيشَةٍ راضِيَةٍ
القارعة : 7 ، أي مرضيّة ، أو أنّه إسناد مجازيّ ، فأسند الإبصار إلى النّهار بدل الإنسان ، وهو شائع في كلام العرب ، كقولهم :