وقيل : عطف على ( فاتّقوا ) ، وتغاير المخاطبين لا يضرّ ك
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي
يوسف : 29 ، وترتّبه على الشّرط بحكم العطف باعتبار أنّ ( اتّقوا ) إنذار وتخويف للكفّار ( وبشّر ) تبشير للمؤمنين ، وكلّ منهما مترتّب على عدم المعارضة بعدم التّحدّي ، لأنّ عدم المعارضة يستلزم ظهور إعجازه وهو يستلزم - استيجاب منكره - العقاب ومصدّقه الثّواب ، لأنّ الحجّة تمّت والدّعوة كملت ، واستيجابهما إيّاهما يقتضي الإنذار والتّبشير ، فترتّب الجملة الثّانية على الشّرط ترتّب الأولى عليه بلا فرق .
وقد يقال : إنّ الجزاء ( فامنوا ) محذوفا ، والمذكور قائم مقامه ، فالمعنى إن لم تأتوا بكذا فآمنوا
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا *
أي فليوجد إيمان منهم وبشارة منك ، ووضع الظّاهر موضع الضّمير ، وفيه حثّ لهم على الإيمان ، ولعلّه أقلّ مؤنة .
واختار صاحب « الإيضاح » عطفه على « أنذر » مقدّرا بعد جملة ( اعدّت ) . وقيل : عطف على « قل » قبل
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ،
وتقديره : قبليا أيها الناس يحوج إلى إجراء
مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
على طريقة كلام العظماء . أو تقدير : قال اللّه بعد « قل » .
والبشارة بالكسر والضّمّ ، اسم من بشر بشرا وبشورا ، وتفتح الباء ، فتكون بمعنى الجمال .
وفي الفعل لغتان : التّشديد وهي العلياء ، والتّخفيف وهي لغة أهل تهامة ، وقرئ بهما في المضارع في مواضع ، والتّكثير في المشدّد بالنّسبة إلى المفعول ، فإنّ واحدا كان فعل فيه مغنيا عن فعل ، وفسّروها في المشهور ، وصحّح بالخبر السّارّ الّذي ليس عند المخبر علم به .
واشترط بعضهم أن يكون صدقا وعن سيبويه إنّها خبر يؤثّر في البشرة حزنا أو سرورا ، وكثر استعماله في الخير ، وصحّحه في « البحر »
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ *
ظاهر عليه ، ومن باب التّهكّم على الأوّل .
والمأمور بالتّبشير البشير النّذير صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم ، وقيل : كلّ من يتأتّى منه ذلك ، كما في قوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم : « بشّر المشّائين إلى المساجد » الحديث ، ففيه رمز إلى أنّ الأمر لعظمته حقيق بأن يتولّى التّبشير به كلّ من يقدر عليه . ويكون هناك مجاز إن كان الضّمير موضوعا لجزئيّ بوضع كلّيّ وإلّا ففي الحقيقة والمجاز كلام في محلّه .
ولم يخاطب المؤمنون كما خوطب الكفرة تفخيما لشأنهم ، وإيذانا تامّا بأنّهم أحقّاء بأن يبشّروا ويهنّؤوا بما أعدّ لهم . وقيل : تغيير للأسلوب لتخييل كمال التّباين بين حال الفريقين .
وعندي أنّه سبحانه لمّا كسى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم حلّة عبوديّته ، في قوله :
مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
ناسب أن يطرزها بطراز التّكليف بما يزيد حبّ أحبابه له ، فيزدادوا إيمانا إلى إيمانهم ، وفي ذلك من اللّطف به صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم ، وبهم ما لا يخفى . [ وبعد نقل قول أبي السّعود الّذي تقدّم آنفا قال : ]
ثمّ لا يخفى أنّ كون مناط البشارة مجموع الأمرين لا يقتضي انتفاء البشارة عند انتفائه ، فلا يلزم من ذلك أن لا يدخل بالإيمان المجرّد الجنّة كما هو رأي المعتزلة ، على أنّ مفهوم المخالفة ظنّيّ ، لا يعارض النّصوص الدّالّة على