بذلك وقتا فوقتا حتّى يدخلوا الجنّة .
وقد نطق الكتاب العزيز في غير موضع بهذه البشرى من اللّه تعالى علينا ، بها برحمته وكرمه
لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
أي لا تغيير لأقواله الّتي من جملتها مواعيده الواردة بشارة للمؤمنين المتّقين ، فيدخل فيها البشارات الواردة هاهنا دخولا أوّليّا ، ويثبت امتناع الخلاف فيها لطفا وكرما ثبوتا قطعيّا .
وأريد من عدم تبديل كلماته سبحانه ، على تقدير أن يراد من البشرى : الرّؤيا الصّالحة ، عدم الخلف بينها وبين ما دلّ على ثبوتها ووقوعها - فيما سيأتي - بطريق الوعد ، من قوله تبارك اسمه :
لَهُمُ الْبُشْرى
لا عدم الخلف بينها وبين نتائجها الدّنيويّة والأخرويّة .
ولم يظهر لي وجهه بعد التّدبّر ، والمشهور أنّ « الرّؤيا الصّالحة » لا يتخلّف ما تدلّ عليه ، وقد جاء من حديث الحكيم التّرمذيّ وغيره ، عن عبادة رضي اللّه تعالى عنه أنّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم قال له : في الرّؤيا الصّالحة كلام يكلّم به ربّك عبده في المنام . ( 11 : 152 )
رشيد رضا : البشرى : الخبر السّارّ الّذي تنبسط به بشرة الوجه فيتهلّل ، وتبرق أساريره . وهذه البشرى مبيّنة في مواضع من كتاب اللّه تعالى ، وقد يراد بها متعلّقها الّذي يبشّرون به ، ولم يذكر هنا ليشمل كلّ ما بشّروا به في كتاب اللّه تعالى ، وعلى لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم .
فأمّا
الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
فأهمّها البشارة بالنّصر ، وبحسن العاقبة في كلّ أمر ، وباستخلافهم في الأرض ، ما أقاموا شرع اللّه وسننه ، ونصروا دينه ، وأعلوا كلمته .
وأمّا
فِي الْآخِرَةِ
فمن أكملها وأجمعها لمعاني الآية لأكملهم قوله :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ
فصّلت : 30 - 32 .
المشهور في تنزّل الملائكة عليهم أنّه يكون عند البعث ، وكذا عند الموت ، ولا مانع من شموله لما في الدّنيا من تثبيت قلوبهم ، وتقوية إلهام الحقّ والخير فيهم ، كما قال تعالى في الملائكة الّذين أمدّ بهم أصحاب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة بدر
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ
الأنفال : 10 . ( 11 : 417 )
الطّباطبائيّ : يبشّرهم اللّه تعالى بشارة إجماليّة ، بما تقرّ به أعينهم .
فإن كان قوله :
لَهُمُ الْبُشْرى
إنشاء للبشارة ، كان معناه وقوع ما بشّر به في الدّنيا وفي الآخرة كلتيهما ، وإن كان إخبارا بأنّ اللّه سيبشّرهم بشرى ، كانت البشارة واقعة في الدّنيا وفي الآخرة .
وأمّا المبشّر به فهل يقع في الآخرة فقط أو في الدّنيا والآخرة معا ؟ الآية ساكتة عن ذلك .
وقد وقع في كلامه تعالى بشارات للمؤمنين بما ينطبق على أوليائه تعالى ، كقوله تعالى :
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
الرّوم : 47 ، وقوله :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
المؤمن : 51 ، وقوله :
بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ