ليس عدم الخلف بينهما وبين نتائجها الدّنيويّة والأخرويّة بل عدم الخلف بينهما وبين ما دلّ على ثبوتها ووقوعها فيما سيأتي بطريق الوعد من قوله تعالى :
لَهُمُ الْبُشْرى
فتدبّر . ( ذلك ) إشارة إلى ما ذكر من أنّ لهم البشرى في الدّارين
هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الّذي لا فوز وراءه وفيه تفسير فيما سبق ، وهاتيك الجملة والّتي قبلها اعتراض لتحقيق المبشّر وتعظيم شأنه ، وليس من شرطه أن يكون بعده كلام متّصل بما قبله ، أو هذه تذييل والسّابقة اعتراض . ( 3 : 256 )
البروسويّ : [ قال مثل أبي السّعود وأضاف : ]
وقيل : ( البشرى ) مصدر ، والظّرفان متعلّقان به . أمّا « البشرى في الدّنيا » فهي البشارات الواقعة للمؤمنين المتّقين ، في غير موضع من الكتاب المبين .
وعن النّبيّ عليه السّلام : « هي الرّؤيا الصّالحة يراها المؤمن أو ترى له » أي يراها مسلم لأجل مسلم آخر . ولا يخفى أنّ كون الرّؤيا الصّالحة مبشّرة للمؤمن يمنع أن تكون بنبوّة ، فتكون بوجه آخر من صلاح وتنبيه غفلة وفرح وغيرها ، كما في « شرح المشارق » لابن الملك .
وهذه البشارة لا تحصل إلّا لأولياء اللّه ، لأنّهم مستغرقوا القلب والرّوح في ذكر اللّه ومعرفة اللّه ، فمنامهم كاليقظة لا يفيد إلّا الحقّ واليقين . وأمّا من يكون متوزّع الخاطر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم ، فإنّه لا اعتماد على رؤياه .
وفي « التّأويلات النّجميّة » : لهم المبشّرات الّتي هي تلو النّبوّة من الوقائع الّتي يرون بين النّوم واليقظة والإلهامات والكشوف ، وما يرد عليهم من المواهب والمشاهدات ، كما قال عليه السّلام : « لم يبق من النّبوّة إلّا المبشّرات » انتهى .
وفي الحديث : « الرّؤيا الصّادقة من الرّجل الصّالح جزء من ستّة وأربعين جزء من النّبوّة » . ومعناه أنّ النّبيّ عليه السّلام حين بعث أقام بمكّة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين ، فمدّة الوحي إليه في اليقظة ثلاث وعشرون سنة ، ومدّة الوحي في المنام ستّة أشهر من ثلاث وعشرين سنة ، فهي جزء من ستّة وأربعين جزء .
وإنّما ابتدئ رسول اللّه بالرّؤيا لئلّا يفجأه الملك بالرّسالة فلا تتحمّلها القوى البشريّة ، فكانت الرّؤيا تأنيسا له .
وقال بعضهم :
لَهُمُ الْبُشْرى
عند الموت ، تأتيهم الملائكة بالرّحمة .
وأمّا البشرى في الآخرة فتلقّي الملائكة إيّاهم مسلمين مبشّرين بالفوز والكرامة ، وما يرون من بياض وجوههم ، وإعطاء الصّحف بأيمانهم ، وما يقرؤون منها ، وغير ذلك من البشارات في كلّ موطن من المواطن الأخرويّة ، فتكون هذه بشارة بما سيقع من البشارات العاجلة والآجلة المطلوبة لغاياتها لا لذواتها .
وفي « التّأويلات النّجميّة » : بشراهم في الآخرة بكشف القناع عن جمال العزّة ، عند سطوات نور القدم ، وزهق ظلمة الحدوث ، وبلقاء الحقّ رحمة منه ، كما قال :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ
التّوبة : 21 . ( 4 : 60 )
الآلوسيّ : [ وبعد نقل أقوال المفسّرين قال : ]
فالأولى أن يحمل « البشرى في الدّارين » على البشارة بما يحقّق نفي الخوف والحزن كائنا ما كان ، ويرشد إلى ذلك السّياق ؛ ومن أجل ذلك بشرى الملائكة لهم