وهذا الاحتمال لا يستغني عن تكرار الفعل ثانيا ، والتّقدير : اتّبعوك بادي الأمر ، وإلّا اختلّ المعنى لو لم يتكرّر .
وقيل : ما نراك اتّبعك في بادي الرّأي إلّا الّذين هم أراذلنا .
وبالجملة معنى الآية : أنّا نشاهد أنّ متّبعيك هم الأراذل والأخسّاء من القوم ، ولو تبعناك ساويناهم ودخلنا في زمرتهم ، وهذا ينافي شرافتنا ، ويحطّ قدرنا في المجتمع .
وفي الكلام إيماء إلى بطلان رسالته عليه السّلام بدلالة الالتزام ، فإنّ من معتقدات العامّة أنّ القول لو كان حقّا نافعا لتبعه الشّرفاء والعظماء وأولو القوّة والطّول ، فلو استنكفوا عنه أو اتّبعه الأخسّاء والضّعفاء - كالعبيد والمساكين والفقراء ، ممّن لا حظّ له من مال أو جاه ، ولا مكانة له عند العامّة - فلا خير فيه . ( 10 : 203 )
الباد
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ . . .
الحجّ : 25
ابن عبّاس :
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ
ينزل أهل مكّة وغيرهم في المسجد الحرام .
نحوه قتادة ومجاهد . ( الطّبريّ 17 : 137 )
( العاكف ) : المقيم فيه ، ( والباد ) الطّارئ .
مثله قتادة . ( الطوسيّ 7 : 305 )
ومثله أبو السّعود . ( 4 : 377 )
مجاهد : ( العاكف ) : السّاكن ، ( والباد ) : الجانب ، سواء حقّ اللّه عليهما فيه . ( الطّبريّ 17 : 137 )
ابن زيد : ( العاكف فيه ) : المقيم بمكّة ، ( والباد ) :
الّذي يأتيه ، هم فيه سواء في البيوت .
( الطّبريّ 17 : 137 )
الفرّاء : ( العاكف ) : من كان من أهل مكّة ، ( والباد ) :
من نزع إليه بحجّ أو عمرة . ( 2 : 221 )
الطّبريّ : واختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه ( سواء العاكف فيه ) : وهو المقيم فيه ، ( والباد ) في أنّه ليس أحدهما بأحقّ بالمنزل فيه من الآخر . . .
وإنّما اخترنا القول الّذي اخترنا في ذلك ، لأنّ اللّه تعالى ذكره ذكر في أوّل الآية صدّ من كفر به ، من أراد من المؤمنين قضاء نسكه في الحرم ، عن المسجد الحرام ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ،
ثمّ ذكر جلّ ثناؤه صفة المسجد الحرام ، فقال :
الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ ،
فأخبر جلّ ثناؤه أنّه جعله للنّاس كلّهم ، فالكافرون به يمنعون من أراده من المؤمنين به عنه ، ثمّ قال :
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ .
فكان معلوما أنّ خبره عن استواء العاكف فيه والباد ، إنّما هو في المعنى الّذي ابتدأ اللّه الخبر عن الكفّار أنّهم صدّوا عنه المؤمنين به ، وذلك لا شكّ طوافهم ، وقضاء مناسكهم به والمقام ، لا الخبر عن ملكهم إيّاه وغير ملكهم . ( 17 : 137 )
الزّجّاج : أنّه يستوي في سكنى مكّة المقيم بها