رضي اللّه تعالى عنهما .
ثانيتهما : أنّ المعنى لم يزل ، ولا يزال .
وتحقيق ذلك أنّ ( تبارك ) من البركة ، وهي في الأصل مأخوذة من : برك البعير ، وهو صدره ومنه برك البعير ، إذا ألقى بركه على الأرض .
واعتبر فيه معنى اللّزوم فقيل : براكاء الحرب ، وبروكاؤها للمكان الّذي يلزمه الأبطال . وسمّي محبس الماء بركة كسدرة ، ثمّ أطلقت على ثبوت الخير الإلهيّ في الشّيء ثبوت الماء في البركة . [ وبعد نقل كلام الرّاغب قال : ]
فمن اعتبر معنى « اللّزوم » كابن عبّاس - بناء على الرّواية الثّانية عنه - قال : المعنى لم يزل ولا يزال ، أو نحو ذلك . ومن اعتبر معنى « التّزايد » انقسم إلى طائفتين :
فطائفة جعلوه باعتبار كمال الذّات في نفسها .
ونقصان ما سواها ، ففسّروا ذلك بالتّعالي ونحوه .
وطائفة جعلوه باعتبار كمال الفعل ، ففسّروه بتزايد الخير وتكاثره .
ولا اعتبار للتّغيّر المبنيّ على اعتبار معنى اللّزوم ، لقلّة فائدة الكلام عليه ، وعدم مناسبة ذلك المعنى لما بعد ، ومن هنا ردّد الجمهور المعنى بين ما ذكرناه أوّلا ، وما روي عن الحسن ومن معه .
وترتيب وصفه تعالى بقوله سبحانه : ( تبارك ) بالمعنى الأوّل على إنزاله جلّ شأنه ( الفرقان ) لما أنّه ناطق بعلوّ شأنه سبحانه ، وسموّ صفاته ، وابتناء أفعاله على أساس الحكم والمصالح ، وخلوّها عن شائبة الخلل بالكلّيّة .
وترتيب ذلك بالمعنى الثّاني عليه ، لما فيه من الخير الكثير ، لأنّه هداية ورحمة للعالمين ، وفيه ما ينتظم به أمر المعاش والمعاد ، وكلا المعنيين مناسب للمقام .
ورجّح الأوّل بأنّه أنسب به ، لمكان قوله تعالى :
لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
الفرقان : 1 .
فقد قال الطّيّبيّ : في اختصاص « النّذير » دون « البشير » سلوك طريقة براعة الاستهلال ، والإيذان بأنّ هذه السّورة مشتملة على ذكر المعاندين ، المتّخذين للّه تعالى ولدا وشريكا ، والطّاعنين في
كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
النّساء : 136 .
وهذا المعنى يؤيّد تأويل ( تبارك ) بتزايد عن كلّ شيء ، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله جلّ وعلا ، لإفادته صفة الجلال والهيبة ، وإيذانه من أوّل الأمر بتعاليه سبحانه ، عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا ، وهو من الحسن بمكان . ( 18 : 230 )
الطّباطبائيّ : البركة بفتحتين : ثبوت الخير في الشّيء ، كثبوت الماء في البركة بالكسر فالسّكون مأخوذ من : برك البعير ، إذا ألقى صدره على الأرض واستقرّ عليها ، ومنه التّبارك معنى ثبوت الخير الكثير وفي صيغته دلالة على المبالغة على ما قيل ، وهو كالمختصّ به تعالى ، لم يطلق على غيره إلّا على سبيل النّدرة . ( 15 : 173 )
عبد الكريم الخطيب : عظمت بركته وكثر خيره وفضله .
والمراد بهذا الخبر : الثّناء على اللّه سبحانه وتعالى ، وهو ثناء من ذاته لذاته جلّ وعلا ، ومن حقّه على عباده أن يثنوا عليه ، كما أثنى سبحانه على نفسه .