وأنوار الإيمان الرّوحانيّة ، ونفحات الإلهامات الرّبّانيّة ، فالمعنى : أنّ فائدة الإيمان وإتّباع الرّسل عليهم السّلام تكون تكميل الفطرة البشريّة روحا وجسدا ، وغايته سعادة الدّارين ؛ الدّنيا والآخرة .
وإذا أريد ببركات السّماء : المطر ، وببركات الأرض :
النّبات - كما قيل - فالمعنى : أنّها أبواب نعم تكون بركات لهم ، غير الّتي عهدوا في صفتها ونمائها وثباتها ، وحالتهم فيها وأثرها فيهم ، وبذلك تكون بركات . فإنّ مادّة البركة تدلّ على السّعة والزّكاء من : بركة الماء ، وعلى الثّبات والاستقرار من : برك البعير .
ألم تقرأ أو تسمع قوله تعالى :
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ
هود : 48 ، فخصّ المؤمنين بالبركات ، وجعل نعمة الدّنيا متاعا موقّتا للكافرين يتلوه العذاب ، ولذلك لم يعطفهم على من قبلهم .
روي عن محمّد بن كعب القرظيّ : أنّه دخل في تلك البركات كلّ مؤمن ومؤمنة ، وفي ذلك المتاع والعذاب الأليم كلّ كافر وكافرة .
وعن الضّحّاك قال :
وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
يعني ممّن لم يولد أوجب لهم البركات ، لما سبق لهم في علم اللّه من السّعادة
وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ
يعني متاع الحياة الدّنيا
ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ
لما سبق لهم في علم اللّه من الشّقاوة .
فالقاعدة المقرّرة في القرآن : أنّ الإيمان الصّحيح ودين الحقّ سبب لسعادة الدّنيا ونعمتها بالحقّ والاستحقاق .
وأنّ الكفّار قد يشار كونهم في المادّيّ منها ، كما قال تعالى فيهم :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
الأنعام : 44 ، فذلك الفتح ابتلاء واختبار لحالهم ، كان أثره فيهم فرح البطر والأشر ، بدلا من الشّكر ، وترتّب عليه العقاب الإلهيّ ، فكان نقمة لا نعمة ، وفتنة لا بركة .
وأمّا المؤمنون فإنّ ما يفتح عليهم يكون بركة ونعمة ، ويكون أثره فيهم الشّكر للّه عليه ، والرّضا منه ، والاغتباط بفضله ، واستعماله في سبيل الخير دون الشّرّ ، وفي الإصلاح دون الإفساد ، ويكون جزاؤهم عليه من اللّه تعالى زيادة النّعم ونموّها في الدّنيا ، وحسن الثّواب عليها في الآخرة .
فالفارق بين الفتحين يؤخذ من جعل هذا من البركات الرّبّانيّة ، ومن تنكيره الدّالّ على أنواع لم يعهدها الكفّار .
وممّا ورد في الآيات الأخرى الدّالّة على أنّ غاية هداية الإيمان الجمع بين سعادة الدّنيا والآخرة ، كقوله تعالى خطابا للبشر موجّها لأبويهم من قصّة آدم في سورة طه :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
طه : 123 ، 124 .
وقوله في خطاب بني آدم من هذه السّورة ، بعد ذكر قصّته المبيّنة لخواصّ هذا النّوع وحكم اللّه في خلقه ، والأصول العامّة لدين الرّسل الّذين يبعثهم لهدايته :