واستقرار الخير فيه لا ينافي عمل سائر العوامل فيه ، واجتماع الأسباب عليه ؛ فليس معنى إرادة اللّه صفة أو حالة في شيء ، أن يبطل سائر الأسباب والعلل المقتضية له - وقد مرّ كرارا في أبحاثنا السّابقة - فإنّما الإرادة الإلهيّة سبب في طول الأسباب الأخر لا في عرضها .
فإنزاله تعالى بركته على طعام مثلا هو أن يوفّق بين الأسباب المختلفة الموجودة ، في أن لا تقتضي في الإنسان كيفيّة مزاجيّة يضرّه معها هذا الطّعام ، وأن لا تقتضي فساده أو ضيعته أو سرقته أو نهبه ، أو نحو ذلك . وليس معناه أن يبطل اللّه سائر الأسباب ، ويتكفّل هو تعالى إيجاد الخير فيهم من غير توسيطها ، فافهم ذلك .
والبركة كثيرة الدّور في لسان الدّين ، فقد ورد في الكتاب العزيز ذكرها في آيات كثيرة بألفاظ مختلفة ، وكذا ورودها في السّنّة ، وقد تكرّر ذكر « البركة » أيضا في العهدين في موارد كثيرة ، يذكر فيها إعطاء اللّه سبحانه البركة للنّبيّ الفلانيّ ، أو إعطاء الكهنة البركة لغيرهم ، وقد كان أخذ البركة في العهد القديم كالسّنّة الجارية .
وقد ظهر ممّا تقدّم بطلان زعم المنكرين لوجود « البركة » كما نقلناه عن الرّاغب فيما تقدّم من عبارته ، فقد زعموا أنّ عمل الأسباب الطّبيعيّة في الأشياء لا يدع مجالا لسبب آخر يعمل فيه ، أو يبطل أثرها . وقد ذهب عنهم أنّ تأثيره تعالى في الأشياء في طول سائر الأسباب لا في عرضها ، حتّى يؤول الأمر إلى تزاحم أو إبطال ونحوهما . ( 7 : 280 )
عبد الكريم الخطيب : فيه رحمة وهدى وخير لمن آمن به ، واهتدى بهديه . ( 4 : 238 )
2 -
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ .
الأنعام : 155
ابن عبّاس : فيه الرّحمة والمغفرة لمن آمن به .
( تنوير المقباس : 122 )
الزّجّاج : و « المبارك » ما يأتي من قبله الخير الكثير ، وهو من نعت ( كتاب ) . ومن قرأ ( أنزلناه مباركا ) جاز ذلك في غير القراءة ، لأنّ المصحف لا يخالف ألبتّة .
( 2 : 306 )
الطّوسيّ : البركة : ثبوت الخير بزيادته ونموّه .
وأصله : الثّبوت ، ومنه ( تبارك ) أي تعالى بصفة إثبات ، لا أوّل له ولا آخر ، وهذا تعظيم لا يستحقّه غير اللّه تعالى .
ورفعه بأنّه صفة للكتاب ، ولو نصب على الحال كان جائزا ، غير أنّ الرّفع يدلّ على لزوم الصّفة للكتاب ، والنّصب يجوز أن يكون لحالة عارضة في وقت الفعل .
( 4 : 349 )
ابن عطيّة : وصف بما فيه من التّوسّعات ، وإزالة أحكام الجاهليّة وتحريماتها ، وجمع كلمة العرب ، وصلة أيدي متّبعيه ، وفتح اللّه على المؤمنين به ، ومعناه منمي خيره مكثر ، والبركة : الزّيادة والنّمو . ( 2 : 365 )
الفخر الرّازيّ : لا شكّ أنّ المراد هو القرآن ، وفائدة وصفه بأنّه مبارك : أنّه ثابت لا يتطرّق إليه النّسخ كما في الكتابين ، أو المراد أنّه كثير الخير والنّفع .
( 14 : 5 )
نحوه النّيسابوريّ ( 8 : 59 ) ، والخازن ( 2 : 166 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 459 ) ، والنّهاونديّ ( 1 : 493 ) .