اللّه تعالى هاهنا وهذا تأويل المتكلّمين ، ولا يصحّ تفسير هذه الآية فإنّ تفسيرها بالوجه الأوّل يطرق إلى الآية سواء التّرتيب ، وكلام اللّه منزّه عنه .
القول الثّالث في تفسير الآية : ما ذكره أبو مسلم : أنّ المراد من هذه الآية ما كانوا يعملونه من النّسيء ، فإنّهم كانوا يخرجون الحجّ عن وقته الّذي عيّنه اللّه له ، فيحرّمون الحلال ويحلّون الحرام ، فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثل لمخالفة الواجب في الحجّ وشهوره .
المسألة الثّالثة : قوله تعالى :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى
تقديره : ولكن البرّ برّ من اتّقى ، فهو كقوله :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ .
( 5 : 136 )
البيضاويّ :
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها
وقرأ أبو عمرو وورش وحفص بضمّ الباء والباقون بالكسر
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى
وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف ( ولكن ) ورفع ( البرّ ) .
كانت الأنصار إذا أحرموا لم يدخلوا دارا ولا فسطاطا من بابه ، وإنّما يدخلون ويخرجون من نقب أو فرجة وراءه ، ويعدّون ذلك برّا ؛ فبيّن لهم أنّه ليس ببرّ ، وإنّما البرّ برّ من اتّقى المحارم والشّهوات .
ووجه اتّصاله بما قبله « 1 » أنّهم سألوا عن الأمرين ، أو أنّه لمّا ذكر أنّها مواقيت الحجّ وهذا أيضا من أفعالهم في الحجّ ذكره للاستطراد .
أو أنّهم لمّا سألوا عمّا لا يعنيهم ولا يتعلّق بعلم النّبوّة وتركوا السّؤال عمّا يعنيهم ويختصّ بعلم النّبوّة ، عقّب بذكره جواب ما سألوه ، تنبيها على أنّ اللّائق بهم أن يسألوا أمثال ذلك ويهتمّوا بالعلم بها .
أو أنّ المراد به التّنبيه على تعكيسهم السّؤال بتمثيل حالهم بحال من ترك باب البيت ودخل من ورائه .
والمعنى وليس البرّ أن تعكسوا مسائلكم ولكن البرّ برّ من اتّقى ، ولم يجسر على مثله . ( 1 : 104 )
النّسفيّ : أي ليس البرّ بتحرّجكم من دخول الباب . ولا خلاف في رفع ( البرّ ) هنا لأنّ الآية ثمّة تحتمل الوجهين - كما بيّنّا - فجاز الرّفع والنّصب ثمّة ، وهذه لا تحتمل إلّا وجها واحدا وهو الرّفع ؛ إذ الباء لا تدخل إلّا على خبر ( ليس ) : ولكن البرّ برّ من اتّقى ما حرّم اللّه . ( 1 : 97 )
أبو حيّان :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى ،
التّأويلات الّتي في قوله :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ
سائغة هنا ، من أنّه أطلق ( البرّ ) وهو المصدر على من وقع منه على سبيل المبالغة ، أو فيه حذف من الأوّل ، أي ذا البرّ ، ومن الثّاني ، أي برّ من آمن ، وتقدّم التّرجيح في ذلك .
وهذه الآية كأنّها مختصرة من تلك ، لأنّ هناك عدّ أوصافا كثيرة من الإيمان باللّه إلى سائر تلك الأوصاف ، وقال في آخرها :
أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
وقال هنا :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى .
والتّقوى لا تحصل إلّا بحصول تلك الأوصاف ، فأحال هنا على تلك الأوصاف ضمنا إذ جاء معها هو المتّقي .
وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف ( ولكن ) ورفع ( البرّ ) والباقون بالتّشديد والنّصب . ( 2 : 64 )
رشيد رضا : أي إنّ البرّ هو تقوى اللّه تعالى
هامش
( 1 ) أي سؤالهم عن الأهلّة .