وذلك أنّهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الكعبة ، وزعم كلّ واحد من الفريقين أنّ ( البرّ ) التّوجّه إلى قبلته ، فردّ عليهم .
وقيل : ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنّه منسوخ خارج من البرّ ، ولكنّ ( البرّ ) ما نبيّنه .
وقيل : كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة ، فقيل : ليس البرّ العظيم الّذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة ، ولكن البرّ الّذي يجب الاهتمام به وصرف الهمّة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال .
وقرئ و ( ليس البرّ ) بالنّصب على أنّه خبر مقدّم .
وقرأ عبد اللّه ( بان تولّوا ) على إدخال الباء على الخبر للتّأكيد ، كقولك : ليس المنطلق بزيد
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
على تأويل حذف المضاف ، أي برّ من آمن ، أو بتأوّل البرّ بمعنى ذي البرّ ، أو كما قالت [ الخنساء ] :
* فإنّما هي إقبال وإدبار *
وعن المبرّد : لو كنت ممّن يقرأ القرآن لقرأت ( ولكنّ البرّ ) بفتح الباء ، وقرئ ( ولكنّ البارّ ) ، وقرأ ابن عامر ونافع ( ولكن البرّ ) بالتّخفيف . ( 1 : 330 )
نحوه القرطبيّ ( 2 : 239 ) ، والبيضاويّ ( 1 : 97 ) .
ابن عطيّة : وقوله تعالى :
لَيْسَ الْبِرَّ
قرأ أكثر السّبعة برفع الرّاء ، و ( البرّ ) اسم ( ليس ) .
قال أبو عليّ : ( ليس ) بمنزلة الفعل ، فالوجه أن يليها الفاعل ثمّ المفعول .
مذهب أبي عليّ أنّ ( ليس ) حرف ، والصّواب الّذي عليه الجمهور أنّها فعل .
وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص ( ليس البرّ ) بنصب الرّاء ، جعل
( أَنْ تُوَلُّوا )
بمنزلة المضمر ؛ إذ لا يوصف كما لا يوصف المضمر ، والمضمر أولى أن يكون اسما يخبر عنه .
وفي مصحف أبيّ بن كعب ، وعبد اللّه بن مسعود ( ليس البرّ بان تولّوا ) ، وقال الأعمش : إنّ في مصحف عبد اللّه ( لا تحسبنّ البرّ ) .
وقال ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما : الخطاب بهذه الآية للمؤمنين ، فالمعنى ليس البرّ الصّلاة وحدها ، وقال قتادة والرّبيع : الخطاب لليهود والنّصارى لأنّهم اختلفوا في التّوجّه والتّولّي ، فاليهود إلى بيت المقدس والنّصارى إلى مطلع الشّمس . وتكلّموا في تحويل القبلة وفضّلت كلّ فرقة تولّيها ، فقيل لهم : ليس البرّ ما أنتم فيه
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ .
قرأ قوم ( ولكنّ البرّ ) بشدّ النّون ونصب ( البرّ ) ، وقرأ الجمهور
( وَلكِنَّ الْبِرَّ )
. والتّقدير : ولكن البرّ برّ من ، وقيل : التّقدير : ولكن ذو البرّ من .
وقيل : ( البرّ ) بمنزلة اسم الفاعل ، تقديره : ولكن البارّ من ، والمصدر إذا أنزل منزلة اسم الفاعل فهو ولا بدّ محمول على حذف مضاف ، كقولك : رجل عدل ورضيّ .
( 1 : 243 )
الطّبرسيّ : قرأ حفص عن عاصم غير هبيرة وحمزة ( ليس البرّ ) بنصب الرّاء ، والباقون بالرّفع .
وروي في الشّواذّ عن ابن مسعود وأبيّ ( ليس البرّ ) بالنّصب ب ( ان يولّوا ) بالياء . وقرأ نافع وابن عامر ( ولكن البرّ ) بالتّخفيف والرّفع ، والباقون ( ولكنّ البرّ ) بالتّشديد