ورابعها : الإيمان بكتب اللّه ، واليهود والنّصارى قد أخلّوا بذلك ، لأنّ مع قيام الدّلالة على أنّ القرآن كتاب اللّه ردّوه ولم يقبلوه ، قال تعالى :
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ
البقرة : 85 .
وخامسها : الإيمان بالنّبيّين ، واليهود أخلّوا بذلك ؛ حيث قتلوا الأنبياء ، على ما قال تعالى :
وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
البقرة : 61 ، وحيث طعنوا في نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم .
وسادسها : بذل الأموال على وفق أمر اللّه سبحانه واليهود أخلّوا بذلك ، لأنّهم يلقون الشّبهات لطلب المال القليل ، كما قال :
وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
آل عمران :
187 .
وسابعها : إقامة الصّلوات والزّكوات ، واليهود كانوا يمنعون النّاس منها .
وثامنها : الوفاء بالعهد ، واليهود نقضوا العهد ؛ حيث قال :
أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
البقرة : 40 .
وهاهنا سؤال : وهو أنّه تعالى نفى أن يكون التّوجّه إلى القبلة برّا ، ثمّ حكم بأنّ ( البرّ ) مجموع أمور ، أحدها :
الصّلاة ، ولا بدّ فيها من الاستقبال ، فيلزم التّناقض ، ولأجل هذا السّؤال اختلف المفسّرون على أقوال :
الأوّل : أنّ قوله : ( ليس البرّ ) نفي لكمال البرّ ، وليس نفيا لأصله ، كأنّه قال : ليس البرّ كلّه هو هذا ، فإنّ ( البرّ ) اسم لمجموع الخصال الحميدة ، واستقبال القبلة واحد منها ، فلا يكون ذلك تمام البرّ .
الثّاني : أن يكون هذا نفيا لأصل كونه برّا ، لأنّ استقبالهم للمشرق والمغرب ، كان خطأ في وقت النّفي ، حين ما نسخ اللّه تعالى ذلك ، بل كان ذلك إثما وفجورا ، لأنّه عمل بمنسوخ قد نهى اللّه عنه ، وما يكون كذلك فإنّه لا يعدّ في البرّ .
الثّالث : أنّ استقبال القبلة لا يكون برّا إذا لم يقارنه معرفة اللّه ، وإنّما يكون برّا إذا أتى به مع الإيمان وسائر الشّرائط ، كما أنّ السّجدة لا تكون من أفعال البرّ ، إلّا إذا أتى بها مع الإيمان باللّه ورسوله ، فأمّا إذا أتى بها بدون هذا الشّرط ، فإنّها لا تكون من أفعال البرّ .
روي أنّه لما حوّلت القبلة ، كثر الخوض في نسخها ، وصار كأنّه لا يراعى بطاعة اللّه إلّا الاستقبال ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، كأنّه تعالى قال : ما هذا الخوض الشّديد في أمر القبلة ، مع الإعراض عن كلّ أركان الدّين .
المسألة السّادسة : قوله :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
فيه حذف ، وفي كيفيّته وجوه :
أحدها : ولكن البرّ برّ من آمن باللّه ، فحذف المضاف ، وهو كثير في الكلام ، كقوله :
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
البقرة : 93 ، أي حبّ العجل ، ويقولون :
الجواد حاتم ، والشّعر زهير ، والشّجاعة عنترة ، وهذا اختيار الفرّاء ، والزّجّاج ، وقطرب . قال أبو عليّ : ومثل هذه الآية قوله :
أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ
التّوبة : 19 ، ثمّ قال : ( كمن امن ) وتقديره : أجعلتم أهل سقاية الحاجّ كمن آمن ، أو أجعلتم سقاية الحاجّ كإيمان من آمن . ليقع التّمثيل بين مصدرين أو بين فاعلين ؛ إذ لا يقع التّمثيل بين مصدر وفاعل .
وثانيها : قال أبو عبيدة : ( البرّ ) هاهنا بمعنى البارّ ،