بها ، لما في علمه أنّها تدعو إلى الصّلاح ، وتصرف عن الفساد ، وإنّ ذلك يختلف بحسب الأزمان والأوقات .
[ إلى أن قال : ]
وقوله :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ
قيل فيه ثلاثة أقوال :
أوّلها : ولكنّ البرّ برّ من آمن باللّه فحذف المضاف ، وأقام المضاف إليه مقامه ، واختاره المبرّد ، لقوله :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا .
[ ثمّ استشهد بشعر ]
الوجه الثّاني : ولكن ذا البرّ ( من آمن باللّه ) .
الثّالث : ولكنّ البارّ من آمن باللّه ، فجعل المصدر في موضع اسم الفاعل . ( 2 : 94 )
نحوه ابن شهرآشوب . ( 2 : 252 )
الميبديّ : [ ذكر اختلاف القرّاء في « البرّ » وأضاف : ]
قال ابن عبّاس والضّحّاك وعطاء وسفيان : نزلت هذه الآية بشأن المؤمنين ، فقد كان المسلمون في بداية الإسلام وقبل الهجرة وسنّ الفرائض ، يقولون عند موت من ينطق بالشّهادة والتّوحيد ، ويصلّي إلى أي جهة يشاء : وجبت له الجنّة ، لأنّه أتى بالبرّ والتّقوى جملة .
وحينما هاجر المصطفى عليه السّلام ونزلت آيات الفرائض ، وحوّلت القبلة إلى الكعبة ، أنزل ربّ العالمين هذه الآية ، كي لا يظنّ أحد أنّ الدّين والبرّ كلّه هو ذا ، أي إقامة الصّلاة ، بل الصّلاة خصلة من خصال البرّ وباب من أبوابه .
وقال فريق آخر من المفسّرين : سبب نزول هذه الآية أنّ اليهود كانوا يصلّون نحو المغرب والنّصارى نحو المشرق ، فردّ اللّه تعالى عليهم وكذّبهم بقوله :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . . .
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ :
قراءة المدنيّ والشّاميّ ( ولكن البرّ ) بالتخّفيف والرّفع ، والباقي ( ولكنّ البرّ ) بالتّشديد والنّصب ، وكذا قوله عزّ وجلّ :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى ،
إذ قرئ بكلا الوجهين .
والمعنى ولكن البرّ برّ من آمن باللّه ، فاستغنى بالأوّل عن الثّاني ، كقولهم : الجود حاتم ، والشّجاعة عنترة .
وقيل : تقديره : ولكنّ البارّ من آمن باللّه ، كقوله تعالى :
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى
طه : 132 ، أي للمتّقي .
ومعنى ( البرّ ) الشّفقة والإحسان والصّداقة وحسن الخلق ، قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « البرّ شيء هيّن ، ووجه طلق ، وكلام ليّن » .
وقيل : ( البرّ ) هنا : الإيمان والتّقوى ، وهذه الآية نفسها دليل بحدّ ذاته ؛ إذ كلّ ما فيها إشارة إلى الإيمان والتّقوى . [ إلى أن قال : ]
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
البرّ إجمالا ضربان : اعتقاد وعمل . فالاعتقاد : تحقيق الأصول ، والعمل : تحصيل الفروع . ومن رسخ الأصول بحقيقتها ، وأتى بالفروع بشروطها ، فهو لا محالة من الأبرار ، ومنزل الأبرار دار القرار ، وذلك في قوله تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ
الانفطار : 13 . ( 1 : 463 )
الزّمخشريّ : ( البرّ ) : اسم للخير ولكلّ فعل مرضيّ
أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
الخطاب لأهل الكتاب ، لأنّ اليهود تصلّي قبل المغرب إلى بيت المقدس ، والنّصارى قبل المشرق ،