تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
نفسك مثله . وحينئذ أطلقت الأسوة على الغير ، أي من ينبغي الاقتداء به ، وأن يجعل الإنسان نفسه مثله . وقد يطلق على نفس الاقتداء فيكون مصدرا . وأمّا المداواة والإصلاح الّذي جعله ابن فارس أصلا لهذه المادّة فهو إمّا أصل برأسه ، أو متفرّع من المعنى الأوّل ، باعتبار أنّ الإصلاح والمداواة والمعالجة تردّ المزاج إلى مثل حاله الأوّل . وبهذا الاعتبار سمّي الطّبيب الآسي ، لأنّه يردّ المريض إلى حاله الأوّل . 2 - وجاء في النّصوص : أنّ الأسوة كالقدوة ، وائتسى به ، أي اقتدى به . وهذا يفيد أنّ المادّتين مترادفتان ، وبناء على ما تقدّم من أنّ الأصل في الأسوة هو التّساوي ، وأنّ الاقتداء معنى لحق به ، فلا يكون اللّفظان مترادفين في الأصل ، وإن ترادفا بلحاظ المعنى الأخير للأسوة ، وهو الاقتداء . 3 - وقد يقال : فلان أسوتك ، ولك في فلان أسوة ، والأسوة والقدوة - كما فسّرهما الرّاغب - هي الحالة الّتي يكون الإنسان عليها في اتّباع غيره . وعليه فقولك : « لك في فلان أسوة » هو الأصل في التّعبير ، أي لك فيه حالة ينبغي الاقتداء به . أو أنّ الأسوة بمعنى المصدر ، أي لك فيه وبه اقتداء ؛ فهي إمّا مصدر أو اسم مصدر . وعليهما فلا ينبغي إطلاقه على الشّخص إلّا بنوع من التّجوّز ، فقولنا : فلان أسوتك ، من قبيل : زيد عدل . أو الأسوة هنا - كما قال القرطبيّ - بمعنى المثل والمساوي ، يقال : هو أسوتك ، أي هو مثلك وأنت مثله ، فيرجع إلى المعنى الأصليّ للمادّة .

الاستعمال القرآنيّ

1 - جاءت « الأسوة » في ثلاث آيات مدنيّة : 1 -
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
الأحزاب : 21 2 -
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . . .
الممتحنة : 4 3 -
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
الممتحنة : 6 ويلاحظ أوّلا : أنّ القرآن يتمشّى دائما مع ما يقال : « لك في فلان أسوة » ، دون : « فلان أسوة » ، الّذي قلنا : إنّ فيه تجوّزا ، ويبدو أنّ التّعبير القرآنيّ أبلغ وأفصح من غيره . وثانيا : أنّ الأسوة جاءت في الجميع نكرة ، ومعلوم أنّ المقام مقام تعظيم وتبجيل دون تحقير ، فلن تكون النّكرة إلّا إشعارا بأنّ فيهم أسوة ، أي أسوة لا ينال مناها ولا يمكن وصفها . وثالثا : أنّ الأسوة في الجميع موصوفة ب ( حسنة ) ، وهذا إمّا مبنيّ على ما قاله الرّاغب : إنّ الأسوة أعمّ من الحالة الحسنة والقبيحة ، فلهذا قيّدت بالحسنة . أو أنّ الأسوة وإن اتّصفت بنفسها بالحسنة ، أو غلب استعمالها فيها ، ولكنّها قيّدت بها تأكيدا وبلاغا وتبيانا . ورابعا : أنّ الأسوة في الآية الأولى في رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، وفي الأخيرتين في إبراهيم والّذين معه ، وهذا
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 378 | مجمع البحوث الاسلامية