دون زرع ، متهيّئ لرعي الأنعام ، كالفاكهة لتنعّم الإنسان .
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا * وَحَدائِقَ غُلْباً * وَفاكِهَةً وَأَبًّا
عبس : 27 - 31 .
فالفاكهة ما يتفكّه به الإنسان ويتمتّع به رطبا أو يابسا ، وغلب استعماله في أثمار النّباتات الّتي يتمتّع بأكلها الإنسان . كما أنّ « الأبّ » غلب استعماله في الكلأ والعشب المتهيّئ لتنعّم الأنعام .
فأنبت اللّه تعالى غذاء الأنعام من الأرض من دون حاجة إلى الزّراعة والعمل ، وهذا بخلاف الإنسان الشّاعر المكلّف على العمل وتحصيل المعيشة
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
عبس : 32 .
فغذاء الأنعام هو الأبّ الّذي تهيّأ طبعا ومن دون عمل لها . ( 1 : 5 )
الأصول اللّغويّة
1 - افترق اللّغويّون في اشتقاق مادّة « أب ب » إلى فريقين :
الفريق الأوّل - وهم القدامى وعلى رأسهم ابن فارس - اشتقّ منها أصلين ؛ أحدهما : التّهيّؤ . ومنه العزم والاستقامة والنّزاع إلى الوطن ، والحركة ، واستلال السّيف ، والقصد ، والهزيمة ، والصّياح ، والتّعجّب والتّبجّح ، ومنه الماء والسّراب ، ومعظم السّيل والموج .
والأصل الثّاني : اسم لنبات .
أمّا الفريق الثّاني - وعلى رأسهم الرّاغب الأصفهانيّ - فقد اشتقّ منها أصلا واحدا ، وهو التّهيّؤ والبدور . وعرّف « الأبّ » بأنّه المرعى المتهيّئ للرّعي ، أو الفاكهة اليابسة ، لأنّها تؤبّ للشّتاء ؛ حيث لفّق هذا الفريق معنى الأبّ بين الأصلين . والشّيخ الطّوسيّ قد سبق الرّاغب في الإشارة إلى هذا المعنى بقوله : كبدور المرعى بالخروج .
2 - وفي معنى الأبّ كانت أقوال العلماء في التّعميم على اتّفاق ، وفي التّخصيص على غير وفاق ؛ فقد تواترت أقوالهم على أنّه نبات ، وتضاربت في تسميته .
فقيل : هو الكلأ ، وقيل : المرعى ، وقيل : التّبن خاصّة ، وقيل : الحشيش والبطاطس ، وقيل : الثّمار الرّطبة ، وقيل : الفاكهة اليابسة . والقول الثّاني - أي المرعى - أقربها ؛ لأنّه يصدق على أغلبها ، والرّابع - أي الحشيش والبطاطس - أبعدها ؛ لأنّه قول شاذّ .
3 - وعزا بعضهم جهل بعض الصّحابة بالأبّ إلى القول بأنّه لفظ غير عربيّ أو غير قرشيّ . وهذا الرّأي مردود لمعرفة عليّ عليه السّلام وابن عبّاس به ، فضلا عن كثرة مشتقّات هذه المادّة في اللّغة .
وادّعى فرد أنّه لم يسمع بالأبّ إلّا في القرآن ، ويردّه وروده في الشّعر الجاهليّ ، كما أشرنا إليه في النّصوص .
4 - وقد أدرج الدّامغانيّ والفيروزاباديّ الأبّ تحت لفظ « الأب » بمعنى الوالد ، وجعلاه وجها من وجوهه ، وعدّاه مطابقا للفظ « الأبّ » المشدّد ، وهي إحدى لغات الأب المخفّف دون الاعتناء بالمعنى . وهذا وهم ؛ لأنّ أصل « الأبّ » بمعنى الوالد : أبو ، وشدّدت الباء فيه - كما