تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
أي بالذين سبق في علمه تعالى أنهم يهتدون . وقوله تعالى :
إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا
هذا اعتذار اعتذر به بعض رجالات قريش « 1 » فقالوا نحن نعرف أن ما جئت به حق ولكننا نخشى إن آمنا بك واتبعناك يتألب علينا العرب ويرموننا عن قوس واحدة ونصبح نتخطف من قبل المغيرين كما هو حاصل لغيرنا ، وبذلك نحرم هذا الأمن والرخاء وتسوء أحوالنا ، لهذا نعتذر عن متابعتك فيما جئت به وأنت تدعو إليه من الكفر بآلهتنا وهدمها والتخلي عنها . فقال تعالى في الرد على هذا الاعتذار الساقط البارد
أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ
« 2 »
لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى
« 3 »
إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا
أي لم يوطئ لهم أرض بلد حرمناه فلا يسفك فيه دم ، ولا يصاد فيه صيد ، ولا يؤخذ فيه أحد بجريرة ، أليس هذا كافيا في أن يعلموا أن الذي جعل لهم حرما آمنا قادر على أن يؤمنهم إذا آمنوا وأسلموا ، ومن باب أولى .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
« 4 » فهذه علة اصرارهم على الشرك والكفر . إنها الجهل باللّه تعالى وعظمته وعلمه وحكمته . ومعنى يجبى أو تجبى إليه ثمرات كل شيء أي يحمل إليه ويساق من أنحاء البلاد ثمرات كل شيء من أنواع الأرزاق وكان ذلك رزقا منه تعالى لأهل الحرم . أفلا يشكرون . وقوله تعالى
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ
أي وكثيرا من أهل القرى أهلكناهم
بَطِرَتْ مَعِيشَتَها
« 5 » لما بطروا عيشهم فلم يشكروا نعمة اللّه عليهم فأسرفوا في الظلم والمعاصي فأهلكناهم
فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ
أي ديارهم
لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا
« 6 » كديار عاد وثمود والمؤتفكات .
وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
لها ، فلم نورثها غيرهم وتركناها خاوية خالية لم تسكن . أما يذكرون هذا فيعلموا بذلك قدرتنا فيتقوا فينا ويتوكلوا علينا ويؤمنوا ويوحدوا ويستقيموا على منهج الحق الذي جئت يا رسولنا به . وقوله :
وَما كانَ رَبُّكَ
يا أيها الرسول
مُهْلِكَ الْقُرى
أي أهل المدن والحواضر
حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا
كما بعثك في أم القرى مكة
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا
« 7 » أي لم يكن
هامش
( 1 ) من القائلين هذا القول من قريش الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي وكان هذا القول من تعللاتهم فأجاب تعالى عما اعتل به هؤلاء فقال :أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً . .. الخ . ( 2 ) الاستفهام للإنكار عليهم أن يكون اللّه تعالى لم يمكّن لهم حرما آمنا ( 3 ) قرأ نافع تجبى بالتاء ، وقرأ حفص بالياء ، والجبي : الجمع ، والجلب ، ومنه جباية الزكاة أي جمع أموالها ، وجابية الحوض ما يجمع فيها الماء من البئر . ( 4 ) هذا الاستدراك لذكر علة تجاهلهم حماية اللّه تعالى لهم بتمكين الحرم لهم فهم فيه آمنون مطعمون ألا وهي الجهل فهو علّتهم الحاملة لهم على الإصرار على الشرك . ( 5 ) بطرت : جهلت شكر معيشتها . ( 6 )إِلَّا قَلِيلًاأي : كالمسافرين الذين يمرون بها وينزلون بها ساعات ويغادرون . ( 7 ) الجملة في محل نصب صفة لرَسُولًا.