تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤

معنى الآيات :

ما زال السياق في ذكر مظاهر الربوبية المستلزمة لألوهية اللّه تعالى ووجوب عبادته وحده دون سواه فقال تعالى :
وَمِنْ
« 1 »
آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
أي ومن حججه عليكم يا عباد اللّه الدالة على قدرة اللّه وعلمه وحكمته ورحمته أيضا هذه السفن الجوار في البحر كأنها جبال عالية تسير من إقليم إلى إقليم بتسخير اللّه تعالى البحار وإرسال الرياح وهي تجرى بمنافعكم حيث تنقل الركاب والبضائع من إقليم إلى آخر . فهذا مظهر قدرة اللّه ورحمته ، و
إِنْ يَشَأْ
تعالى إسكان الريح فإنها تسكن فلا تهب ولا تنسم بنسيم البتّة فتقف السفن وتركد على « 2 » سطح الماء فلا تتحرك ، وإن يشأ أيضا يرسل عليها عواصف من الريح فتضطرب وتغرق بما فيها ومن فيها وذلك بذنوب أصحابها إن القاعدة الثابتة المقررة أنه ما من مصيبة إلا بذنب . وهذا معنى قوله
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ
. وقوله تعالى
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
أي إن في هذه المظاهر من خلق السفن والبحار وتسخير البحار وسير السفن عليها وركودها عند سكون الريح لحجج واضحة قوية على وجود اللّه وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته ولكن لا يراها ولا ينتفع بها أمثال البهائم ، ولكن هي من نصيب كل عبد صبار على طاعة اللّه وبلائه شكور لآلائه ونعمه عليه . وقوله
أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا
« 3 » . وقوله
وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ
« 4 » أي ولا يؤاخذ بكل ذنب فقد يعفو عن كثير من الذنوب . إذ لو عاقب على كل ذنب وآخذ بكل خطيئة لما بقي على الأرض أحد إذ ما من أحد إلا ويذنب اللهم إلا ما كان من المعصومين من الأنبياء والمرسلين فإنهم لا يذنبون ، ولكن قد يذنب أصولهم وفروعهم فيهلكون ومن أين يوجدون ! !
هامش
( 1 )الْجَوارِجمع جارية والأعلام جمع علم والعلم الجبل والآيات جمع آية وهي العلامة الدالة على الشيء الهادية إليه المعرفة به . وسميت السفينة جارية لأنها تجري في البحر وسميت الشابة من النساء جارية لأنها يجري فيها ماء الشباب . قال الخليل كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم واستشهد بقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرا .وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار( 2 ) يقال ركد الماء ركودا سكن وكذلك الريح والسفن والشمس إذا قام قائم الظهيرة وكل ثابت في مكان فهو راكد والرواكد جمع راكدة مؤنث راكد . ( 3 ) أي وإن يشأ يجعل الرياح عواصف فيوبق السفن أي يغرقهن بذنوب أهلها إذ الباء سببية . ( 4 )وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍأي من أهلها فلا يغرقهم معها ، كما يتجاوز عن كثير من الذنوب فلا يؤاخذ بها . ويعف مجزوم بحذف آخره لأنه معطوف على إن يشأ يسكن الريح أي وإن يشأ يعف .