وقلنا له أي بعد توبته وقبولها يا داود
إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
« 1 » خلفت من قبلك من الأنبياء تدبر أمر الناس
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ
أي بالعدل الموافق لشرع اللّه ورضاه ،
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى
وهو ما تهواه نفسك دون ما هو شرع اللّه ،
فَيُضِلَّكَ
« 2 » أي اتباع الهوى يضلك عن سبيل اللّه المفضي بالعباد إلى الإسعاد والكمال وذلك أنّ الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الإلهية انتظمت بها مصالح العباد ونفعت العامة والخاصة أما إذا كانت على وفق الهوى وتحصيل مقاصد النفس للحاكم لا غير أفضت إلى تخريب العالم بوقوع الهرج والمرج بين الناس وفي ذلك هلاك الحاكم والمحكومين ، وقوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
القائم على الإيمان والتقوى وإقامة الشرع والعدل هؤلاء
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
في الدنيا والآخرة
بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
« 3 » أي بسبب نسيانهم ليوم القيامة فتركوا العمل له وهو الإيمان والتقوى التقوى التي هي فعل الأوامر الإلهية واجتناب النواهي في العقيدة والقول والعمل . ،
وقوله تعالى في الآية ( 27 )
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
ينفي تعالى ما يظنه المشركون وهو أن خلق الكون لم يكن لحكمة اقتضت خلقه وإيجاده وهي أن يعبد اللّه تعالى بذكره وشكره المتمثل في الإيمان والتقوى . وقوله
ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي ظن أن اللّه خلق السماء والأرض وما بينهما لا لحكمة مقصودة وهي عبادة اللّه تعالى بما يشرع لعباده من العبادات القلبية والقولية والفعلية ظن الذين كفروا من كفار مكة وغيرهم . ثم توعدهم تعالى على كفرهم وظنهم الخاطئ الذي نتج عنه كفرهم وعصيانهم فقال
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
أي ويل للذين كفروا من واد في جهنم بعيد الغور كريه الريح .
وقوله تعالى في الآية ( 28 )
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
هذا أولا ردّ لما زعمه المشركون من أنهم يعطون في الآخرة من النعيم مثل ما يعطى المؤمنون ، وثانيا ينفي تعالى أن يسوى بين من آمن به واتبع هداه فأطاعه في الأمر والنهي ، وبين من أفسد في الأرض بالشرك والمعاصي كما نفى أن يجعل المتقين الذين آمنوا واتقوا فتركوا الشرك والمعاصي كالفجار الذين فجروا أي خرجوا عن طاعة اللّه ورسوله فلم يؤمنوا ولم يوحدوا فعاشوا كفارا فجارا وماتوا على ذلك . أي
هامش
( 1 ) لا يقال يا خليفة اللّه إلا لرسوله أما من عدا الرسل فإن الخليفة منهم هو خليفة لمن قبله وليس خليفة للّه تعالى والصحابة قالوا لأبي بكر خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
( 2 ) الفاء هي السببية والمضارع بعدها منصوب وفي الآية تحريم اتباع هوى النفس المسبب الخروج عن دائرة العدل والحق .
وفي الآية دليل على أنه لا يجوز الحكم بعلم الحاكم بل بالبينة والشهود وقد روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اشترى فرسا فجحده البائع فلم يحكم عليه بعلمه وقال من يشهد لي ؟ فقام خزيمة فشهد فحكم عليه .
( 3 ) سمي يوم القيامة يوم الحساب لما يجري فيه من حساب الناس بما كسبوا من خير وشر وسمي يوم الدين للمجازاة التي تتم بعد الحساب ، وسمي يوم الفصل للفصل بين الناس والحكم لهم فيما بينهم .