معنى الآيتين الكريمتين
هذا نداء عام لكل البشر يدعوهم فيه ربهم تعالى ناصحا لهم بأن يتقوه بالإيمان به وبعبادته وحده لا شريك له وأن يخشوا يوما عظيما فيه من الأهوال والعظائم ما لا يقادر قدره بحيث لا يجزي فيه والد « 1 » عن ولده ولا مولود « 2 » هو جاز عن والده شيئا إذ كل واحد لا يريد إلا نجاة نفسه فيقول نفسي نفسي وهذا لشدة الهول يوم لا يغني أحد عن أحد شيئا ولو كان أقرب قريب ، وهو يوم آت لا محالة حيث وعد اللّه به الناس ووعد اللّه حق واللّه لا يخلف الميعاد ، ويقول لهم بناء على ذلك
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
بملاذها وزخارفها وطول العمر فيها ،
وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ
ذي الحلم والكرم
الْغَرُورُ
« 3 » أي الشيطان من الإنس أو الجن يحملكم على تأخير التوبة ومزاولة أنواع المعاصي بتزيينها لكم وترغيبكم فيها فانتبهوا فإن الموت لا بد منه وقد يأتي فجأة فالتوبة التوبة يا عباد اللّه هذه نصيحة الرّب تبارك وتعالى لعباده فهل من مستجيب ؟ هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 33 ) .
أما الآية الثانية ( 34 ) فاللّه جل جلاله يخبر عباده بأنه استقل بعلم الساعة متى « 4 » تأتي والقيامة متى تقوم وليس لأحد أن يعلم ذلك كائنا من كان وهذه حال تتطلب من العبد أن يعجل التوبة ولا يؤخرها ، كما استقل تعالى بعلم وقت نزول المطر في يوم أو ليلة أو ساعة من ليل أو نهار ، ويعلم ما في الأرحام أرحام الإناث من ذكر أو أنثى أو أبيض أو أحمر أو أسود ومن طول وقصر ومن إيمان أو كفر ولا يعلم ذلك سواه ويعلم ما يكسب كل إنسان في غده من خير أو شر أو غنى أو فقر ، ويعلم أين تموت كل نفس من بقاع الأرض وديارها ولا
هامش
( 1 ) فإن قيل لقد ثبت بالسنة ما ظاهره خلاف هذا فقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم ، وقال من ابتلى بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له حجابا من النار فالجواب أن المراد بالآية أن الولد لا يحمل ذنب والده وأن الوالد لا يحمل ذنب ولده ، وأما موت الأولاد فأجر المصيبة مع الصبر والاحتساب هو الذي منع الوالد من دخول النار كما أن تربية البنات والإحسان إليهن جعل اللّه تعالى جزاءه النجاة من النار فليس في الحديث أن الولد يجزي عن والده ولا الوالد يجزي عن ولده .
( 2 ) ولا مولود : مبتدأ وهو ضمير فصل والخبر جاز مرفوع بضمة مقدرة على حرف العلة المحذوف للتخفيف ، وذكر الولد والوالد لأنهما أشد شفقة على بعضهما ورحمة وحميّة من غيرهما .
( 3 ) الغرور بالفتح ( الفعول ) من أمثلة المبالغة أي كثير التغرير بالإنسان وهو الشيطان عليه لعائن الرحمن والغرور الخداع بما ظاهره حسن وباطنه ضرر .
( 4 ) قال مقاتل هذه الآية نزلت في رجل من أهل البادية اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال إن امرأتي حبلى فأخبرني ما ذا تلد ؟ وبلادنا جدبة فأخبرني متى ينزل الغيث ؟ ولقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت ؟ وقد علمت ما عملت اليوم فأخبرني ما ذا أعمل غدا ؟ وأخبرني متى تقوم الساعة ؟ فأنزل اللّه تعالى الآية .
روى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إذا أراد اللّه تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها ثم قرأ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إن اللّه عنده علم الساعة الخ الآية .