تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
من الباطل وأقرب ما يفهمونه لو تدبروا أن القرآن كلام اللّه تعالى وليس كلام بشر ، إذ لو كان كلام بشر لوجد فيه التناقض والاختلاف والتضاد ، ولكنه كلام خالق البشر ، فلذا هو متسق الكلم متآلف الألفاظ والمعاني محكم الآي هاد إلى الإسعاد والكمال ، فهو بذلك كلام اللّه حقا ومن شرف بإنزاله عليه رسول حق ولا معنى أبدا للكفر بعد هذا والإصرار عليه ، ومنافقة المسلمين فيه . هذا معنى قوله تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
. وقوله :
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ
وهي الآية الرابعة ( 83 ) فإن اللّه تعالى يخبر عن أولئك المرضى بمرض النفاق ناعيا عليهم ارجافهم وهزائمهم المعنوية فيقول
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ
أي إذا وصل من سرايا الجهاد خبر بنصر أو هزيمة سارعوا بإفشائه وإذاعته ، وذلك عائد إلى مرض قلوبهم لأن الخبر وأطلق عليه لفظ الأمر لأن حالة الحرب غير حالة السلم إذا كان بالنصر المعبر عنه بالأمن فهم يعلنونه حسدا أو طمعا ، وإذا كان بالهزيمة المعبر عنها بالخوف يعلنونه فزعا وخوفا لأنهم جبناء كما تقدم وصفهم ، قال تعالى في تعليمهم وتعليم غيرهم ما ينبغي أن يكون عليه المجاهدون في حال الحرب .
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
القائد الأعلى ،
وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ
وهم أمراء السرايا المجاهدة
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
« 1 » أي لاستخرجوا سر الخبر وعرفوا ما يترتب عليه فإن كان نافعا أذاعوه ، وإن كان ضارا أخوفه . ثم قال تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
أيها المؤمنون
لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ
« 2 » في قبول تلك الإشاعات المغرضة والإذاعات المثبطة
إِلَّا قَلِيلًا
منكم من ذوى الآراء الصائبة والحصافة العقلية إذ مثلهم لا تثيرهم الدعاوي ، ولا تغيرهم الأراجيف ، ككبار الصحابة من المهاجرين والأنصار رضي اللّه عنهم أجمعين .

هداية الآيات

من هداية الآيات : 1 - وجوب طاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه لا يطاع لذاته وإنما يطاع لذات اللّه عزّ وجل .
هامش
( 1 ) الاستنباط مأخوذ من استنبط الماء : إذا استخرجه من الأرض ، والنبط : الماء المستنبط أوّل ما يخرج من ماء البئر أول ما يحفر ، وسمي النبط نبطا لأنهم يستخرجون ما في الأرض ، والاستنباط لغة : الاستخراج ، وفي هذه الآية دليل على الاجتهاد . ( 2 ) ما فسرنا به الآية أصح مما فسرت به ولا التفات إلى ما أورد القرطبي من آراء عدّة لا طائل تحتها .