تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢

معنى الآيتين :

ما زال السياق في الآداب والنتائج المترتبة على غزوة أحد ففي هذه الآية ( 159 ) يخبر تعالى عما وهب رسوله من الكمال الخلقي الذي هو قوام الأمر فيقول :
فَبِما
« 1 »
رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
أي فبرحمة « 1 » من عندنا رحمناهم بها لنت « 2 » لهم ،
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
أي قاسيا جافا جافيا قاسى القلب غليظه
لَانْفَضُّوا مِنْ
« 3 »
حَوْلِكَ
أي تفرقوا عنك ، وحرموا بذلك سعادة الدارين . وبناء على هذا فاعف « 4 » عن مسيئهم ، واستغفر لمذنبهم ، وشاور ذوى الرأي منهم ، وإذا بدا لك رأي راجح المصلحة فاعزم على تنفيذه متوكلا على ربك فإنه يحب المتوكلين ، والتوكل الإقدام على فعل ما أمر اللّه تعالى به أو أذن فيه بعد إحضار الأسباب الضرورية له . وعدم التفكير فيما يترتب عليه بل يفوض أمر النتائج إليه تعالى . هذا ما تضمنته الآية الأولى اما الآية الثانية ( 160 ) فقد تضمنت حقيقة كبرى يجب العلم بها والعمل دائما بمقتضاها وهي أن النصر بيد اللّه ، والخذلان كذلك فلا يطلب نصر إلا منه تعالى ، ولا يرهب خذلان الا منه عزّ وجل ، وطلب نصره هو إنفاذ أمره بعد إعداد الأسباب اللازمة له ، وتحاشي خذلانه تعالى يكون بطاعته والتوكل عليه هذا ما دل عليه قوله تعالى في هذه الآية
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين : 1 - كمال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخلقي . 2 - فضل الصحابة رضوان اللّه عليهم وكرامتهم على ربهم سبحانه وتعالى . 3 - تقرير مبدأ المشورة « 5 » بين الحاكم وأهل الحل والعقد في الأمة .
هامش
( 1 ) الميم صلة أي مزيدة لتوكيد الكلام وتقويته نحو قوله تعالى :فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ *وقوله :عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَوجند ما هنالك ( 2 ) وذلك لأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يعنف الذين تولوا يوم أحد بل رفق بهم ، فأخبر تعالى أنّ ذلك كان بتوفيق منه عزّ وجلّ لرسوله . ( 3 ) قيل يمنعهم الحياء والاحتشام والهيبة من القرب منك بعد ما كان من توليهم وهذا شأن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 4 ) هذا الترتيب مقصود فأوّلا يعفو عنهم لما كان بينه وبينهم ، وثانيا : يستغفر اللّه لهم لما كان بينهم وبين ربهم من تبعات ، وبعد هذا الإعداد يصبحون أهلا للمشورة فيشاورهم . ( 5 ) الاستشارة مأخوذة من شرت الدابة إذا علمت خبرها كجري ونحوه ، ويقال للموضع الذي تركض فيه المشوار . قال ابن عطية : والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب . وقد قيل : ما ندم من استشار . ومن أعجب برأيه ضلّ ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما ندم من استشار ولا خاب من استخار ولا عال من اقتصد » .