ثم أخبر سبحانه ذميم فعالهم ، فقال :
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً
يريد بالناس الكفار ، فهو عموم يراد به الخصوص
مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ
أي :
راحة ورخاء بعد شدة وبلاء ، وحقيقة الذوق فيما له طعم يوجد إنما يكون طعمه بالفم ، وإنما قال أذقناهم الرحمة على طريق البلاغة ، لشدة إدراك الحاسة إياها
إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا
أي : فهم يحتالون لدفع آياتنا بكل ما يجدون السبيل إليه من شبهة ، أو تخليط في مناظرة ، أو غير ذلك من الأمور الفاسدة . وقال مجاهد : مكرهم استهزاؤهم وتكذيبهم .
قُلِ
يا محمد لهم
اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً
أي : أقدر جزاء على المكر ، ومعناه أن ما يأتيهم من العقاب أسرع مما أتوه من المكر أي أوقع في حقه .
وقيل : إن مكره سبحانه إنزاله العقوبة بهم من حيث لا يشعرون .
إِنَّ رُسُلَنا
يعني الملائكة الحفظة
يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ
أي ما تدبرون من سوء التدبير .
وفي هذا غاية الزجر والتهديد من وجهين أحدهما أنه يحفظ مكرهم والآخر أنه أقدر على جزائهم وأسرع فيه .
ثم امتن اللّه سبحانه على خلقه ، بأن عدد نعمه التي يفعلها بهم في كل حال ، فقال
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
أي : يمكنكم من السير في البر والبحر ، بما هيأ لكم من آلات السير ، وهي خلق الدواب وتسخيرها لكم لتركبوها في البر ، وتحملوا عليها أثقالكم ، وهيأ السفن في البحر ، وإرسال الرياح المختلفة التي تجري بالسفن في الجهات المختلفة .
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
خص الخطاب براكب البحر أي : إذا كنتم راكبي السفن في البحر
وَجَرَيْنَ بِهِمْ
أي : وجرت السفن بالناس لما ركبوها ، عدل عن الخطاب إلى الإخبار عن الغائب ، تصرفا في الكلام ، على أنه يجوز أن يكون خطابا لمن كان في تلك الحال ، وإخبارا لغيرهم من الناس
بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
أي : بريح لينة يستطيبونها .