ولم يختلف فقهاء الأمصار في جواز الاعتكاف في المساجد التي تقام فيها الصلوات ، وظاهر الآية التي معنا عدم التفرقة بين المساجد ، إذ قال :
وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
ففهم منها أن الاعتكاف يكون في المساجد ، وتعيين أحدها يحتاج إلى الدليل ، وكذا تخصيصه بمسجد الجماعة يحتاج إلى الدليل .
وغاية ما يدل عليه
قوله عليه الصلاة والسلام : « لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد » « 1 »
أنه يدلّ على تفضيل هذه الثلاثة عما عداها ، أو عدم شدّ الرحال إلا إليها ، وهل الاعتكاف لا يكون إلا بشدّ الرحال ؟ وقد تقدّم القول بأنّ العكوف في المسجد إنما هو في حق الرجال .
وقد اختلف الفقهاء في معتكف النساء فذهب الحنفية وجماعة إلى أنه يكون في مسجد بيتها كما تقدم ، وقال الشافعي : المسافر ، والعبد ، والمرأة يعتكفون حيث شاءوا . والمدار في إثبات هذا أو غيره على السنة .
وقد اختلف الفقهاء أيضا في المدة التي تلزم في الاعتكاف : فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ، ومحمد ، وزفر ، والشافعي : له أن يعتكف يوما أو ما يشاء . وقد اختلفت الرواية عن الحنفية فيمن دخل ونوى الاعتكاف . هل يكون معتكفا أولا ؟
في رواية : يكون معتكفا ، وله أن يخرج متى شاء بعد أن يكون صائما في مقدار لبثه ، وفي الرواية الأخرى : عليه أن يتمّه يوما ، هكذا نقله أبو بكر الرازي « 2 » .
والمعروف عندهم في المتون والكتب أن الاعتكاف ثلاثة أقسام :
مندوب ، وهو : يتحقق بمجرد النية .
وسنة ، وهو : في العشر الأواخر من رمضان .
وواجب : ولا بد فيه من الصوم وهو : المنذور .
وقال مالك في رواية عنه : « لا اعتكاف في أقل من عشرة أيام ، وعنه يوم وليلة » ، قال أبو بكر الرازي : تقييد مدة الاعتكاف لا يصحّ إلا بتوقيف ، أو اتفاق ، وهما معدومان هنا ، وقد اختلف السلف في أنه هل يلزم فيه الصوم أم لا ؟
فروى عطاء عن ابن عباس وعائشة قالوا : المعتكف عليه الصوم . وقال سعيد بن المسيّب عن عائشة : من سنة المعتكف الصوم .
وعن عليّ قال : لا اعتكاف إلا بصوم .
وقال آخرون :
يصحّ بغير صوم ، روي عن علي
، وعبد اللّه ، وقتادة .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الرازي ( 1 / 245 ) .