وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّ الآية تدلّ على التبييت ، وذلك أن معنى
أَتِمُّوا الصِّيامَ
صيّروه تاما من الفجر ، وهو لا يكون تاما من الفجر إلا بالنية ، وهذا هو الظاهر ، لأنّ إتمام الشيء لا يكون إلا لشيء قد شرع فيه ، وهو هنا الصوم ، وقد علمت أن الصوم لا يكون صوما إلا بالنية ، تمييزا للعادة من العبادة ، إذ قد يمسك الإنسان عن الأكل حمية ، ثم لا يكون صوما ، لأنه لم ينو ، فإن كان هناك دليل غير الآية فهو الذي يدل على عدم تبييت النية .
وقد عرض المفسرون هنا لأحكام الصائم إذا نسي وأكل ما ذا يكون ؟ أيلزمه الإتمام ، أم له الإفطار إلخ ، أو يلزمه القضاء ، أم لا ؟ وترى أن كل ذلك يجب أن يبحث عنه في غير هذه الآية .
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
.
الاعتكاف في اللغة : اللبث . قال تعالى :
ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ
[ الأنبياء : 52 ] وقال الشاعر :
فباتت بنات الليل حولي عكّفا * عكوف البواكي بينهنّ صريع
ثم زيد عليه في الشرع قيود : منها : العكوف في المسجد ، ومنها : ترك الجماع ، ومنها : نية التقرب إلى اللّه تعالى ، فأما العكوف في المسجد فهو في حق الرجال فقط ، وأما النساء فيعكفن في مصلّى البيت دفعا للفتنة ، والمسجدية مستفادة من قوله تعالى :
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
قاله أبو بكر الرازي « 1 » :
وقد وقع الاختلاف في المسجد الذي يكون فيه الاعتكاف : فقد روى إبراهيم النخعي « 2 » أن حذيفة قال : لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ، المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
و
روي عن علي رضي اللّه عنه : أنه لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام ، ومسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
وقال جماعة منهم عبد اللّه بن مسعود ، وعائشة ، وإبراهيم ، وسعيد بن جبير . وأبو جعفر « 3 » . وعروة بن الزبير : لا اعتكاف إلّا في مسجد جماعة .
فأنت ترى السلف قد أجمعوا على أنّ الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد على ما بينهم من الاختلاف في تعيين المسجد الذي يصحّ فيه الاعتكاف .
هامش
( 1 ) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الرازي ( 1 / 245 ) .
( 2 ) إبراهيم بن يزيد بن قيس أبو عمران النخعي الفقيه الكوفي توفي ( 96 ه ) مختفيا من الحجاج ، انظر الأعلام للزركلي ( 1 / 80 ) .
( 3 ) هو محمد الباقر رضي اللّه عنه .