بل كان عن محض الضرورة ، بسبب أنهم لم يمكنهم ضبط مقادير الزمان مع عذر النوم لم يكن إثما ، وانتفت فيه المؤاخذة ، وعلى هذا يكون التخفيف عنهم بسبب هذه الضرورة ، وهي عدم قدرتهم على إحصاء الوقت وضبط ساعات الليل .
وبعد فلا تناقض بين القراءتين ، فإنّ الآية ليست حديثا عما أمروا به من القيام ، بل هي إخبار عن الواقع الذي كان يحصل منهم . وهم كانوا أحيانا يقومون ثلث الليل ، ويقومون نصفه ، ويقومون قريبا من ثلثيه ، وأحيانا يقومون أقلّ من ثلثه ، وأقلّ من نصفه ، ظنا منهم أنهم وفوا في قيامهم أقلّ من الثلث بالقدر المأمور به ، لعدم ضبط الزمن ، وتحديد مقاديره . فقراءة النصب توافق الحالات الأولى ، وقراءة الجرّ تنزّل على الحالات الثانية .
وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ
وهذا معطوف على الضمير المستكنّ في
تَقُومُ
وهو وإن كان ضمير رفع متصل ، قد سوغ العطف عليه الفصل بينه وبين المعطوف ، والمعنى :
أنّ اللّه يعلم أنّه كان يقوم كذلك جماعة من الذين آمنوا بك ، واتبعوا هداك .
وقد يقال : إنّ هذا يدلّ على أنّ قيام الليل لم يكن فرضا على جميع الأمة ، وهو خلاف ما تقرّر تفسيره في أول السورة ، ويخالف أيضا ما دلّت عليه الآثار المتقدمة هناك .
والجواب : أنه ليس في الآية ما يفيد أنّ الصحابة رضوان اللّه عليهم كانوا جميعا يصلّون مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة التهجد في جماعة واحدة ، فلعلّ بعضهم كان يقيمها في بيته . فلا ينافي ذلك فرضية القيام على الجميع .
وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
الكلام هنا على الحصر والاختصاص ، أي أنّ اللّه هو وحده الذي يقدّر الليل والنهار ، يعلم مقاديرهما وأجزاءهما ، وما مضى من كلّ ، وما بقي على التعيين والتحديد .
وهذا الاختصاص - على ما يقول الزمخشري « 1 » - مستفاد من تقديم اسم الجلالة مبتدأ ، وبناء الفعل عليه .
أما غير الزمخشري فإنه ينكر عليه مذهبه هذا في الاختصاص ، إذ إنّه إذا قيل :
محمد يحفظ الدرس ، أو يتفقه على فلان ، لم يفد ذلك أنه هو وحده الذي يحفظ ويتفقه . فالحصر في الآية مستفاد من سياق الكلام ودلالة المقام .
عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ
إحصاء الأشياء عدّها ، والإحاطة بمقدارها ، ويصحّ أن يستعمل في القدرة على الفعل وإطاقته ، وكلّ من المعنيين سائغ في الآية .
هامش
( 1 ) انظر تفسير الكشاف للزمخشري ( 4 / 643 ) .