تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 817

مساهمون:

ص٨١٧
في الليل الناهضة من مضاجعها للعبادة
هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
والوطء المواطأة والموافقة ، كالوطاء . والقيل : القول كالمقال . والمراد به قراءة القرآن ، أو مطلق الذّكر ، أي إنها أشد موافقة ومصادفة للخشوع والإخلاص . أو أن قلبها يكون بالليل أشد موافقة للسانها منه في سائر الأوقات ، إذ يكون القلب في ساعات الليل حاضرا لا يشغله شاغل ، ولا يصرفه عن خشية اللّه صارف .
وَأَقْوَمُ قِيلًا
أي إنّ قولها يكون حينئذ أكثر اعتدالا واستقامة على نهج الصواب ، لأنّ الأصوات هادئة ، والليل ساكن ، فلا يضطرب المصلي ، ولا يختلط عليه قوله وقراءته . وقيل : إن المراد بناشئة الليل العبادة فيه ، ومعنى أن عبادة الليل أشدّ وطأ : أن موافقتها الإخلاص والخشوع في هذا الوقت أعظم منها في أي وقت آخر . أو أنّ قلب العابد فيها يكون أكثر موافقة للسانه منه في غير ذلك من الأوقات . وقيل : المراد بناشئة الليل ساعاته ، والمعنى عليه كسابقه ، ولعلّ أحسن هذه الأقوال أوسطها . أما موقع هاتين الآيتين مما قبلهما ، فقال بعض المفسرين : إن أولاهما معترضة بين الأمر بالقيام وعلتها التي بينتها الآية الثانية ، وهي قوله تعالى :
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا ( 6 )
وإنّ السر في هذا الاعتراض هو تسهيل أمر القيام بالليل عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالموازنة بينه وبين ما سيوحى إليه من أنواع التكاليف وشدائد الأعمال . ولكنّك ترى أنّه لا حاجة إلى جعل الآية الأولى معترضة بين ما قبلها وما بعدها ، فإنّ ارتباطها بما قبلها واضح جدّا ، وهي منه في منزلة العلة من المعلول ، فكأنّ اللّه تعالى يقول لنبيه :
قُمِ اللَّيْلَ
وتجرد للعبادة ، وأعد نفسك لما سيلقى عليك ، لأنّا سنوحي إليك بأمور عظيمة ، وسنحمّلك تكاليف ثقيلة تقتضيها طبيعة الرسالة التي اخترناك لها . ثم إنّ هذا يتضمّن دعوى أنّ العبادة في جوف الليل تعينه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتهيئه لتحمل أعباء الرسالة ، والاضطلاع بشئونها ، فتأتي الآية الثانية وهي قوله تعالى :
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا ( 6 )
لتعزيز الدعوى . فهي من سابقتها بمنزلة العلة من المعلول . فكأنّ اللّه جل شأنه يقول : حقا إنّ قيام الليل يعينك على تحمل ما سنلقيه عليك ، لأنّ عبادة الليل أشدّ مواطأة وموافقة للإخلاص والخشوع ، وأكثر اعتدالا واستقامة على نهج الحق والصواب .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 817 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان