تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 821

مساهمون:

ص٨٢١
فعلى الأول : يكون الضمير المفعول في
تُحْصُوهُ
عائدا على مصدر مفهوم من
يُقَدِّرُ
في الجملة السابقة . والمعنى عليه : علم اللّه أنكم لم تحصوا تقدير الليل والنهار ، ولن تستطيعوا ضبط ساعاتهما ، ولا معرفة ما فات من ذلك على التحديد ، ولا ما هو آت ، وأنكم إذا أخذتم دائما بالأحوط ضعفتم ، وشقّ عليكم الأمر ، ولذلك خفف اللّه عنكم في أمر القيام ، ورفع عنكم المقدار المحدد ، ورخّص لكم أن تقوموا مقدارا ما من الليل غير مقيّد بثلث ولا بغيره . وعلى الثاني : يكون الضمير عائدا على القيام المفهوم من
تَقُومُ
. والمعنى عليه : علم اللّه أنكم لن تحصوا قيام الليل ، أي لن تطيقوه ، ولن تستطيعوا المواظبة عليه مقدّرا بذلك المقدار ، ولذلك خفف عنكم .
فَتابَ عَلَيْكُمْ
التوبة في الأصل معناها العود والرجوع . يقال : تاب العاصي إذا رجع إلى سبيل الطاعة ، ويقال : تاب اللّه عليه ، بمعنى عفا عنه ، وعاد عليه بالمغفرة ، فالتوبة في قوله تعالى :
فَتابَ عَلَيْكُمْ
يصحّ أن تكون بمعنى المغفرة ، أي غفر لكم ما كان عساه يفضي إلى مؤاخذتكم من عدم الوفاء بما أمرتم به ، إذ كنتم تقومون في بعض الأحوال أقل من ثلث الليل ، مع أنكم مأمورون أن تقوموا نصفه على الأقل ، لا تنقصون منه إلا قليلا . وهذا - كما ترى - إنما يظهر على قراءة نافع ومن وافقه بجر ( نصفه ) و ( ثلثه ) . أما على قراءة النصب فيكون معنى
فَتابَ عَلَيْكُمْ
عاد عليكم بالترخيص والتخفيف ، ورجع بكم من عسر إلى يسر ، ومن شدة إلى لين ، وليس هو من التوبة بمعنى المغفرة .
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
للعلماء في المراد بالقراءة هنا ثلاثة أقوال : الأول : - قول من حمل القراءة على ظاهرها ، وقال : إن صلاة التهجد قد نسخت بهذا الأمر وصار المطلوب قراءة شيء من القرآن . ثم من هؤلاء من قال : إنّ الأمر بالقراءة للوجوب ، ومنهم من حمله على الندب . القول الثاني : أن المراد بالقراءة الصلاة ، عبّر عنها لأنّها من أركانها ، كما يعبّر عنها بالقيام والركوع والسجود ، فيكون معنى :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
صلوا ما تيسر لكم من الصلاة . ويشهد لذلك سياق الآية ، وما سبق من الآثار التي تدل على أنّ آخر السورة نسخ أولها ، فصار الواجب قيام جزء ما من الليل ، ثم نسخ ذلك بفرض المكتوبات الخمس . القول الثالث : - أن المراد قراءة القرآن في الصلاة عملا بدلالة اللفظ مع شهادة السياق وتلك الآثار .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 821 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان