سبب التزمل هو ما عراه صلّى اللّه عليه وسلّم من الرعب والفزع عند رؤية الملك ، وتكون حادثة التزمل هي حادثة التدثر بعينها ، أما على القولين الأولين فيصحّ أن يكون السبب واحدا أيضا ، كما يصحّ أن يكون مختلفا .
والحكمة في ندائه عليه الصلاة والسلام بوصف التزمل هو إرادة ملاطفته وإيناسه ، على نحو ما كان عليه العرب في مخاطباتهم في مثل هذه الحالة ، ومن ذلك
قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعلي لما غاضب فاطمة ، وكان نائما قد لصق بجبينه التراب فقال له :
« قم أبا ترب » « 1 » .
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ
المراد من قيام الليل صلاة التهجد ، وذلك بتقدير الصلاة ، أي انهض لصلاة الليل ، أو بتضمين ( قم ) معنى صل .
وقد أعرب بعض المفسرين : ( الليل ) ظرفا لفعل القيام ، جريا على مذهب البصريين الذين يجوّزون في مثله أن يكون ظرفا ، ولو استغرقه الحدث ، كما هنا ، فإنّ المعنى على إرادة جميع أجزاء الليل حتى يصحّ الاستثناء بقوله :
إِلَّا قَلِيلًا
فإنّ الاستثناء معيار العموم .
أما على رأي الكوفيين الذين يمنعون ذلك فنصب الليل يكون من قبيل النصب على المفعولية .
ومعنى
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 )
انهض للصلاة مستغرقا بها الليل إلا جزءا قليلا منه ، و
نِصْفَهُ
بدل كل من الليل بعد مراعاة الاستثناء ، فكأنه قيل : قم نصف الليل ، ويصحّ أن يكون بدلا من
قَلِيلًا
والأمران في قوله تعالى :
أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ
معطوفان على الأمر الأول . والضميران في ( منه ) و ( عليه ) عائدان على الليل بعد مراعاة الاستثناء ، والإبدال أيضا . ويصحّ أن يعود على ( نصفه ) والمآل واحد .
وحاصل المعنى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بأن يقوم من الليل للتهجد ، وأنّ اللّه خيّره أن يقوم نصف الليل ، وأن ينقص من النصف مقدارا قليلا ، وأن يزيد على ذلك النصف ، ولم تقيد الزيادة على النصف بالقلّة ، كما قيّد النقص بها ، لأنّ الزيادة الكثيرة لا تخلّ بالأمر ، بل فيها زيادة برّ وعمل صالح . أمّا النقص الكثير عن النصف فعلى خلاف ذلك ، إذ إنّه مخلّ بالمطلوب .
هذا وقد قال العلماء : إنّه في حالة النقص عن النصف لا يتحقق الوفاء إلا إذا كان النقص لا يبلغ الربع ، وهو ظاهر ، إذ لا يقال في الاستعمال العربي لمن اقتصر على الربع إنه أنقص من النصف قليلا - ومن العلماء من قال : إنّ القليل هو ما دون
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 4 / 1874 ) ، 44 - كتاب فضائل الصحابة 4 - باب من فضائل علي حديث رقم ( 38 / 2409 ) .