تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 806

مساهمون:

ص٨٠٦
ناشئة الليل ، فإنها خير معين له على تحمّل ما سيرد عليه من الوحي ، وما سيلقى عليه من القول الثقيل . وقيل : إنّ تزمّله عليه الصلاة والسلام كان لأسفه وحزنه لما بلغه ما كان من المشركين ، وما دبّروه من القول السيئ ، يدفعون به دعوته . فقد أخرج البزار والطبراني في « الأوسط » وأبو نعيم في « الدلائل » عن جابر رضي اللّه عنه قال : اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا : سموا هذا الرجل اسما تصدّوا الناس عنه . فقالوا : كاهن . قالوا : ليس بكاهن ، قالوا : مجنون . قالوا : ليس بمجنون ، قالوا : ساحر ، قالوا : ليس بساحر . قالوا : يفرّق بين الحبيب وحبيبه ، فتفرّق المشركون على ذلك . فبلغ ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتزمل في ثيابه ، وتدثّر فيها ، فأتاه جبريل عليه السلام فقال :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 )
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 )
. وقد يساعد هذا القول ما ورد في السورة من قوله تعالى :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا ( 10 ) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ( 11 )
على القول بأنّ هاتين الآيتين من المكي ، وأنهما نزلتا مع الآيات السابقة . غير أنّه يقال : إذا كان هذا هو سبب التزمل ، وأنه من أجله أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه السورة أن يهجر أولئك ، ويصبر عليهم ، ولا يأبه لقولهم ، فما السبب في أنه لم تذكر الآيتان
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
وما بعدها عقب النداء ؟ ولما ذا فصل بين ذلك بالأوامر الأولى المتعلقة بقيام الليل والذكر والترتيل ؟ والجواب : أنه لا شك أنّ هذه العبادات تقوّي قلبه عليه الصلاة والسلام ، وتثبّت فؤاده ، وتعينه على الصبر والاحتمال والإغضاء عن السوء من أقوال الكافرين . وقيل : إنّ السبب هو ما ورد في حديث جابر المشهور « 1 » على ما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « جاورت بحراء ، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت ، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت خلفي ، فلم أر شيئا ، فرفعت رأسي ، فإذا الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض ، فجثثت - بمثلثتين مبنيا للمجهول ، فزعت - منه رعبا ، فرجعت ، فقلت : دثروني ، دثروني » و في رواية : فجئت أهلي ، فقلت : زمّلوني زمّلوني ، فأنزل اللّه
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 )
. وجمهور العلماء يقولون : وعلى إثرها نزلت
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 )
وعلى هذا يكون
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 1 / 143 ) ، 1 - كتاب الإيمان ، 73 - باب بدء الوحي حديث رقم ( 161 ) ، والبخاري في الصحيح ( 6 / 97 ) ، 65 - كتاب التفسير ، حديث رقم ( 4922 ) ، والترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 399 ) ، كتاب التفسير ، باب ومن سورة المدثر حديث رقم ( 3325 ) ، وأحمد في المسند ( 3 / 306 ) .