تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 810

مساهمون:

ص٨١٠
أما آية الإسراء :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ
[ الإسراء : 79 ] فهي مدنية متأخّرة في النزول عن سورة المزمّل فيصح أن يكون التهجد قد بقي وجوبه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ما نسخ عن أمته ، ويكون معنى الآية : استمر على التهجد بالليل فريضة زائدة لك على ما استقرّ وجوبه على أمتك . والذي يستخلص من ذلك أنّ أرجح الأقوال هو الثاني ، وهو القول بأنّ التهجد كان فريضة على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى أمته ، إذ هو الذي يمكن أن تأتلف عليه النصوص القرآنية السابقة . ويشهد له ما تقدّم من الآثار عن ابن عباس وعائشة وغيرهما . وننتقل بعد ذلك إلى الكلام في بقاء وجوب التهجد وعدمه ، وفي تعيين الناسخ على القول بعدم البقاء . وللعلماء في ذلك أربعة أقوال : الأول : نقل عن الحسن وابن سيرين وابن جبير ما يفيد القول ببقاء وجوب التهجد على الناس جميعا ، وأنّ أصل وجوب القيام لم ينسخ ، وإنما الذي نسخ هو وجوب قيام جزء مقدّر من الليل لا ينقص كثيرا عن النصف على ما علمت . وهذا قول يخالف ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها على ما سبق ، وكذلك يخالف ما روي عن ابن عباس أنّه قال : سقط قيام الليل عن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وصار تطوعا ، وبقي بعد ذلك فرضا على رسول اللّه عليه الصلاة والسلام . ويردّه أيضا ما ثبت في « الصحيحين » « 1 » أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال للرجل الذي سأله عما يجب : « خمس صلوات في اليوم والليلة » قال : هل عليّ غيرها ؟ قال : « لا ، إلا أن تطوّع » . القول الثاني : أنّه نسخ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعن أمته بآخر سورة المزمّل ، واستبدل به قراءة القرآن على ما يعطيه ظاهر قوله تعالى :
عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
[ المزمل : 20 ] . ويدل عليه أيضا ظاهر ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها كما تقدم فإنّ قولها : فصار قيام الليل تطوعا ، لم تقيده بالأمة . القول الثالث : أنّ وجوب التهجد استمر على النبي وعلى الأمة ، حتى نسخ بالصلوات الخمس ليلة المعراج . القول الرابع : أنّه نسخ عن الأمة وحدها ، وبقي وجوبه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما يعطيه ظاهر آية الإسراء [ 79 ] .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 1 / 40 ) ، 1 - كتاب الإيمان ، 2 - باب بيان الصلوات حديث رقم ( 8 / 11 ) ، والبخاري في الصحيح ( 1 / 20 ) ، 2 - كتاب الإيمان ، 35 - باب الزكاة من الإسلام حديث رقم ( 46 ) .