تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 801

مساهمون:

ص٨٠١
يكون الاستفهام منشأ لأن يسأل فيقال : وما ينكر منه في التحريم وقد كان الأنبياء يحرّمون
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ
[ آل عمران : 93 ] فقيل في جواب هذا السؤال :
تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ
فكأنّ التحريم لم ينكر لذاته ، وإنّما لما اشتمل عليه من الحرص على مرضاة الأزواج ، ومثل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أجلّ من أن يقدم على ما يقدم عليه ، ويمتنع عما يمتنع منه تبعا لإرضاء النساء .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
إنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقارف ذنبا ، والذي كان منه إنما هو خلاف الأولى ، فالإتيان بالغفران والرحمة هنا تكريم للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، حيث جعل ما لا يعدّ ذنبا كأنه ذنب ، ولا يكون ذلك إلا لمن سمت منزلته . وقد رأيت أنّا فسرنا التحريم هنا بالامتناع ، وامتناعه عن شرب العسل أو غيره إنما كان كامتناعه عن أكل الضب ، وهو بهذه المثابة لا شيء فيه ، وإنما عوتب من أجل أنّ الباعث كان الحرص على مرضاة الأزواج . وقد أراد الزمخشريّ « 1 » أن يقول : بل هو قد قال : إنّ الذي وقع هنا هو أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حرّم من عند نفسه ما أحل اللّه ، فيكون قد غيّر الحكم ابتغاء مرضاة الأزواج فآخذه اللّه به ، وأنكره عليه ، وغفر له ما وقع منه من الزلة ، وقد شنع العلماء على الزمخشري في قوله هذا . وذلك أن تحريم الحلال ينتظم معنيين : فقد يراد منه اعتقاد حكم التحريم فيما جعله اللّه حلالا ، وذلك تغيير لحكم اللّه ، وتبديل له على نحو الذي كان من الكفار من تحريمهم البحائر والسوائب والوصائل وغيرها ، وكقولهم :
هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ
[ الأنعام : 138 ] وعلى نحو ما حكى اللّه عنهم في قوله :
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
[ النحل : 35 ] وتحريم الحلال بهذا المعنى كفر لا يكون إلا من الكافرين . والمعنى الثاني : الامتناع من الحلال امتناعا مطلقا ، أو مؤكّدا باليمين مع اعتقاد حل الفعل الذي امتنع منه ، وهذا شيء لا خطر فيه ، ولا شيء ، وقد امتنع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من أكل الضب ، وقال : « إنّه لم يكن بأرض
هامش
( 1 ) انظر كتاب الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري ( 4 / 564 ) .