تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 793

مساهمون:

ص٧٩٣
وقد سلك الجصاص « 1 » في تأويل الحديث طريقة أقرب إلى الصواب ، وأخفّ في الاستهجان من رد الحديث وإنكاره ، والطعن فيه بغير مطعن ، قال : وللحديث عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبنا فيما روته من نفي السكنى والنفقة ، وذلك أنّه قد روي أنها قد استطالت بلسانها على أحمائها ، فأمروها بالانتقال ، فلما كان سبب النقلة من جهتها ، كانت بمنزلة الناشزة ، فسقطت نفقتها وسكناها جميعا اه . والخطاب في قوله تعالى :
أَسْكِنُوهُنَّ
وقوله تعالى :
فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ
للأزواج ، فاقتضى ذلك بظاهره أنّ السكنى والنفقة إنما تكونان للزوجات المطلقات ، لا المتوفى عنهن من الزوجات . و قد روى الدارقطني « 2 » بإسناد صحيح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ليس للحامل المتوفّى عنها زوجها نفقة » فالمتوفّى عنها غير الحامل أولى ألا يكون لها نفقة . ولا نعلم خلافا في ذلك إلا ما روي عن علي وابن مسعود رضي اللّه عنهما أنهما كانا يقولان بوجوب النفقة للمتوفّى عنها من التركة ، وظاهر الآية والسنة الصحيحة على خلاف ما يقولان .
فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
أي فإن أرضعن لكم بعد انقضاء عدتهن بوضع حملهن فأدوا إليهنّ أجورهن على الإرضاع ، والتزموا ذلك لهن . دلّ هذا على أنّ الأمّ إذا رضيت أن ترضع ولدها بأجر المثل ، فهي أحقّ به ، لوفور شفقتها ، فهي أولى بحضانته وإرضاعه من كل أحد ، وليس للأب أن يسترضع غيرها حينئذ . ودلّ على أنّ الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل ، لا بالعقد ، لأنّ اللّه أوجبها بعد الرضاع ، بقوله :
فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
. ودلّ أيضا على أنّ نفقة الولد الصغير على أبيه ، لأنّه إذا لزمه أجرة الرضاع فكفايته ألزم ، ومن ثمّ أجمعوا على ذلك في طفل لا مال له ، وألحق به بالغ عاجز كذلك ، لخبر هند بنت عتبة « خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » « 3 » .
وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ
أي ليأمر بعضكم بعضا بجميل في الإرضاع والأجر وغيرهما .
هامش
( 1 ) انظر أحكام القرآن للجصاص ( 3 / 462 ) . ( 2 ) رواه الدارقطني في السنن ( 4 / 21 ) . ( 3 ) رواه مسلم في الصحيح ( 3 / 1338 ) ، 30 - كتاب الأقضية ، 4 - باب قضية هند حديث رقم ( 1714 ) ، والبخاري في الصحيح ( 3 / 24 ) ، 34 - كتاب البيوع ، 44 - باب من أجرى أمر الأمصار حديث رقم ( 2211 ) .