تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 784

مساهمون:

ص٧٨٤
مدته ، والمراد بالأجل هنا آخر المدة التي تتربصها المرأة ، أي آخر عدتهن أن يضعن حملهن ، وظاهر هذا أنّ المعتدة الحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل ، سواء أكانت معتدة عن طلاق أم عن وفاة ، فتكون الآية معارضة لآية البقرة ، وهي قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً
لأن بين الآيتين عموما وخصوصا من وجه . وذلك أنّ آية البقرة أعم من التي معنا في المعتدات ، إذ تشمل الحامل وغير الحامل ، وأخص من التي معنا في سبب العدة وهو الوفاة وعلى العكس من ذلك الآية التي معنا ، فكان التعارض واقعا بينهما في القدر الذي اجتمعتا عليه واشتركتا فيه ، وهو عدة المتوفى عنها الحامل ، فآية البقرة تجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا ، والآية التي معنا تجعل عدتها مدة حملها ، فمتى وضعت فقد انقضت عدتها . ومن أجل هذا التعارض اختلف السلف في عدة المتوفى عنها إذا كانت حاملا ، فقال علي وابن عباس وجماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم : تعتد بأبعد الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا ، وهذا أحد القولين في مذهب مالك رحمه اللّه ، واختاره سحنون . وقال جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة : إنّ عدتها تنتهي بوضع الحمل ، ولو كان الزوج على مغسله فوضعت حلّت . فمن ذهب إلى أبعد الأجلين احتجّ بأنّ النصين متعارضان على ما سمعت ، ولا يمكن تخصيص العموم في أحدهما بالخصوص في الآخر ، لأنّ ذلك إلغاء ، ولا يصار إلى الإلغاء إلا إذا تعذّر الجمع ، والجمع هنا ممكن ، فكان هو المتعين ، وبالاعتداد بأبعد الأجلين يحصل الجمع بين النصين ، لأنّ مدة الحمل إن زادت فقد تربصت أربعة أشهر وعشرا مع الزيادة ، وإن قصرت وتربصت المدة فقد وضعت وتربصت ، فيحصل العمل بمقتضى الآيتين . وأنت تعلم أنّ هذا إنما هو جمع بين المدتين ، ولا يعدّ جمعا بين النصين . وإعمالا لعموم كل منهما في مقتضاه ، وذلك أنها إذا وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر ثم حكمنا عليها بأنها لا تزال في العدة ، كان ذلك إهدارا لمقتضى الحصر والتوقيت في قوله تعالى :
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
فإنّه ظاهر في أنه لا عدة عليها بعد وضع الحمل ، وأنها حلال للأزواج متى وضعت حملها . وأصحاب هذا الرأي يحرمونها على الأزواج ، ويلزمونها القرار في مسكن العدة إلى أن تنتهي أربعة الأشهر والعشر . فكيف يقال بعد ذلك إنّهم عملوا بمقتضى الآية التي معنا ؟ وكذلك يقال فيمن مضى عليها أربعة أشهر وعشر ولم تضع حملها إذا ألزمناها