وقيل : النجوم الكواكب ، ومواقعها مساقطها عند الغروب ، وهو قول أبي عبيدة ، وقد تقدم قول كهذا .
وقيل : بل مواقعها انتثارها وانكدارها يوم القيامة ، وهو مروي عن الحسن .
ويقول الذي يقول المواقع المساقط عند الغروب : إنّ اللّه تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها ، وجريانها وغروبها ، إذ فيها ، وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة .
والنجوم متى ذكرت في القرآن الكريم فالمراد منها الكواكب ، انظر إلى قوله تعالى :
وَإِدْبارَ النُّجُومِ
[ الطور : 49 ]
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ
[ الأعراف : 54 ] ومن هنا يمكن أن يقال - بل هو قد قيل : إنّ المناسبة بين المقسم به ؛ وهو النجوم ومواقعها ، وبين المقسم عليه وهو القرآن ، أنّ النجوم جعلها اللّه يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغواية ، وتلك ظلمات حسية ، وهذه ظلمات معنوية ، تلك يؤمن جانبها بالنجوم ، وهذه تتوقى بهداية القرآن ، فالقسم هنا قد جمع فيه بين هدايتين .
هداية ومنافع ، ليدير الناس وجوههم إلى القرآن ، ويتبصّروا ما فيه جيدا ، فيعلموا أنّه هاديهم الذي لا يضلون معه . ولا تنس كذلك أنّ اللّه قد جعل النجوم رجوما للشياطين ، وفي آيات القرآن من رجوم الشياطين ما تجعل الشياطين يولّون عند سماعه ، وما نريد أن نترك هذا الموضع حتى نسمعك رأي الفخر الرازي « 1 » في هذا :
قال رحمه اللّه بعد سؤال حاصله : هل في القسم بمواقع النجوم خاصة فائدة ؟
قلنا : نعم ، فائدة جليلة ، وبيانها أنّا قد ذكرنا أنّ القسم بمواقعها ، وأن المواقع كما هي مقسم به ، هي من الدلائل ، وقد بيّناه في الذاريات ، وفي الطور ، وفي النجم ، وفي غيرها ، فنقول هي هنا كذلك .
وذلك من حيث أنّ اللّه تعالى لما ذكر خلق الآدمي من المني وموته ، بيّن بإشارته إلى إيجاد الضدين في الأنفس ، قدرته واختياره ، ولما كان هذا دليلا من دلائل الأنفس ذكر أيضا من دلائل الآفاق على قدرته واختياره فقال :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 )
أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ
إلى غير ذلك ، وذكر قدرته على زرعه ، وجعله حطاما . وخلقه الماء عذبا فراتا ، وجعله أجاجا ، إشارة إلى أنّ القادر على الضدين مختار ، ولما لم يكن قد ذكر من الدلائل السماوية شيئا ، ذكر الدليل السماوي في معرض القسم ، وقال :
بِمَواقِعِ النُّجُومِ
فإنها أيضا دليل الاختيار ، لأنّ كون كلّ واحد في موضع من السماء دون غيره من المواضع مع استواء المواضع في الحقيقة دليل على أنّ الفاعل مختار . فقال :
هامش
( 1 ) انظر كتابه مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير ( 29 / 188 ) .